فصل: 607 محمد بن أحمد بن عبد الله بن منصور التوثي المروزي المعروف بفقيه التوث

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: طبقات الشافعية الكبرى **


الطبقة الخامسة من أصحاب الإمام المطلبي أبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه من مات بعد الخمسمائة

565 أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس الشيخ أبو الخير القزويني الطالقاني

الشيخ الإمام الفقيه الصوفي الواعظ الملقب رضى الدين أحد الأعلام

ولد في سنة اثنتى عشرة وخمسمائة بقزوين

وقيل سنة إحدى عشرة

وتفقه بها على ملكداد بن علي

ثم ارتحل إلى نيسابور

وتفقه على محمد بن يحيى

وسمع الكثيرمن أبيه وأبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وزاهر الشحامي وعبد المنعم بن القشيري وعبد الغافر الفارسي وعبد الجبار الخواري وهبة الله ابن السيدي ووجيه بن طاهر وأبي الفتح بن البطي وغيرهم بنيسابور وبغداد وغيرهما

روى عنه ابن الدبيثي ومحمد بن علي بن أبي السهل الواسطي والموفق عبد اللطيف ابن يوسف والإمام الرافعي وغيرهم

درس ببلده مدة ثم ببغداد ثم عاد إلى بلده ثم عاد إلى بغداد ودرس بالنظامية

وحدث بكبار الكتب ك تاريخ الحاكم وسنن البيهقي وصحيح مسلم و مسند إسحاق وغيرها

وأملى عدة مجالس

قال ابن النجار كان رئيس أصحاب الشافعي وكان إماما في المذهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ والزهد

وحدث عنه الإمام الرافعي في أماليه

وقال فيه إمام كثير الخير موفر الحظ من علوم الشرع حفظا وجمعا ونشرا بالتعليم والتذكير والتصنيف وكان لسانه لا يزال رطبا من ذكر الله ومن تلاوة القرآن وربما قرىء عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى ما يقول القارىء وينبهه إذا زل

قلت وأطال ابن النجار في ترجمته والثناء على علمه ودينه

وروىبإسناده حكاية مبسوطة ذكر أنه عربها من العجمي إلى العربية حاصلها أن الطالقاني حكى عن نفسه أنه كان بليد الذهن في الحفظ وأنه كان عند الإمام محمد بن يحيى في المدرسة وكان من عادة ابن يحيى أن يستعرض الفقهاء كل جمعة ويأخذ عليهم ما حفظوه فمن وجده مقصرا أخرجه فوجد الطالقاني مقصرا فأخرجه فخرج في الليل وهو لا يدري إلى أين يذهب فنام في أتون حمام فرأى النبي فتفل في فمه مرتين وأمره بالعود إلى المدرسة فعاد ووجد الماضي محفوظا واحتد ذهنه جدا

قال فلما كان يوم الجمعة وكان من عادة الإمام محمد بن يحيى أن يمضي إلى صلاة الجمعة في جمع من طلبته فيصلي عند الشيخ عبد الرحمن الأكاف الزاهد

قال فمضيت معه فلما جلس مع الشيخ عبد الرحمن تكلم الشيخ عبد الرحمن في شيء من مسائل الخلاف والجماعة ساكتون تأدبا معه وأنا لصغر سني وحدة ذهني أعترض عليه وأنازعه والفقهاء يشيرون إلى بالإمساك وأنا لا ألتفت

فقال لهم الشيخ عبد الرحمن دعوه فإن هذا الكلام الذي يقوله ليس هو منه إنما هو من الذي علمه

قال ولم يعلم الجماعة ما أراد وفهمت أنا وعلمت أنه مكاشف

قال ابن النجار وقيل إنه كان مع كثرة اشتغاله يداوم الصيام ويفطر كل ليلة على قرص واحد

وحكى أنه لما دعى إلى تدريس النظامية جاء بالخلعة وحوله الفقهاء وهناك المدرسون والصدور والأعيان فلما استقر على كرسي التدريس وقرئت الربعة الشريفة ودعى دعاء الختمة التفت إلى الجماعة قبل الشروع في إلقاء الدرس وقال من أي كتب التفاسير تحبون أن أذكر فعينوا كتابا

فقال من أي سورة تريدون فعينوا

وذكر لهم ما أرادوا

وكذلك فعل في الفقه والخلاف لم يذكر إلا ما عين الجماعة له فعجبوا لكثرة استحضاره

قال ابن النجار حدثني شيخنا أبو القاسم الصوفي قال صلى شيخنا القزويني بالناس التراويح في ليالي شهر رمضان وكان يحضر عنده خلق كثير فلما كان ليلة الختم دعا وشرع في تفسير القرآن من أوله ولم يزل يفسر سورة سورة حتى طلع الفجر فصلى بالناس صلاة الفجر بوضوء العشاء وخرج من الغد إلى المدرسة النظامية وكان نوبته في الجلوس بها فلما تكلم في المنبر على عادته و طاب الناس وكان في المجلس الأمير قطب الدين قيماز والأعيان فذكروا لهم أن الشيخ ليلة إذ فسر القرآن كله في مجلس واحد

فقال قطب الدين الغرامة على الشيخ واجبه

فالتفت الشيخ وقال إن الأمير أوجب علينا شيئا فإن كان لا يشق عليكم وفينا به

فقالوا لا بل نؤثر ذلك

فشرع وفسر القرآن من أوله إلى أخره من غير أن يعيد كلمة مما ذكر ليلا

فأبلس الناس من قوة حفظه وغزارة علمه

قال أبو أحمد بن سكينة لما أظهر ابن الصاحب الرفض ببغداد جاءني القزويني ليلا فودعني وذكر أنه متوجه إلى بلاده

فقلت إنك ههنا طيب وتنفع الناس

فقال معاذ الله أن أقيم ببلدة يجهر فيها بسب أصحاب رسول الله

ثم خرج من بغداد إلى قزوين وكان آخر العهد به

قلت أقام بقزوين معظما محترما إلى أن توفى بها

قال الرافعي في الأمالي كان يعقد المجلس للعامة ثلاث مرات في الأسبوع إحداها صبيحة يوم الجمعة فتكلم على عادته يوم الجمعة ثاني عشر المحرم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ‏}‏ وذكر أنها من أواخر ما نزل وعد الآيات المنزلة آخرا منها ‏{‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏}‏ ومنها سورة النصر وقوله تعالى ‏{‏وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ‏}‏ وذكر أن رسول الله ما عاش بعد نزول هذه الآية إلا سبعة أيام

قال الرافعي ولما نزل من المنبر حم ومات في الجمعة الأخرى ولم يعش بعد ذلك إلا سبعة أيام

قال وذلك من عجيب الاتفاقات

قال وكأنه أعلم بالحال وأنه حان وقت الارتحال

ودفن يوم السبت

قال ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم على قصد التعزية وأنا في شأنه متفكر ومما أصابه منكسر إذ وقع في خلدي من غير نية وفكر روية

بكت العلوم بويلها وعويلها ** لوفاة أحمدها ابن إسماعيلها

كأن أحدا يكلمني بذلك ثم أضفت إليه أبياتا بالروية ذهبت عني

انتهى

ومن الفوائد عن أبي الخير رحمه الله

له مصنف سماه حظائر القدس عد فيه لشهر رمضان أربعة وستين اسما

ونقل فيه في معنى قوله فيما يحكيه عن ربه سبحانه وتعالى الصوم لي وأنا أجزى به خمسة وخمسين قولا

من أغربها ما نقله عن سفيان بن عيينة وناهيك به أن يوم القيامة يتعلق خصماؤه بجميع أعماله إلا الصوم فلا سبيل لهم عليه فإنه لله تعالى وإذا لم يبق إلا الصوم يتحمل الله تعالى ما بقي من المظالم ويدخله بالصوم الجنة

قال الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى ورضي عنه في باب صوم التطوع وهذا إن صح فيه توقيف فهو في غاية الحسن

قلت قد يرد عليه بما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال النبي ‏(‏ أتدرون من المفلس ‏)‏

قالوا من لا درهم له ولا متاع

قال ‏(‏ إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار ‏)‏

الحديث ظاهره أنه يؤخذ من الصوم

فإن قلت الصوم ليس من حسناته وإنما هو لله تعالى لا يضاف إلى العبد

قلت هذا حسن غير أن قوله ثم طرح في النار مع أن له صياما يدل على أن الصوم وإن بقي سالما لم يتعلق الخصوم منه بشيء لا يتعين معه دخول الجنة بل يقع معه دخول النار فلا بد لسفيان من توقيف وإلا فهذا الحديث ظاهر يرد عليه

566 أحمد بن بختيار بن علي بن محمد القاضي أبو العباس المندائي الواسطي

ولد في سنة ست وسبعين وأربعمائة ورحل إلى بغداد

وسمع من أبي القاسم بن بيان وأبي علي بن نبهان وغيرهما

وكان فقيها عارفا باللغة والأدب

ولي قضاء واسط مدة

وصنف كتاب القضاة وغير ذلك

توفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة

وهو والد أبي الفتح المندائي

روى عنه ابنه وجماعة

567 أحمد بن الحسن بن أحمد الأصبهاني القاضي أبو شجاع

صاحب الغاية في الاختصار ووقفت له على شرح الإقناع الذي ألفه القاضي الماوردي

قال ياقوت في البلدان في الكلام على عبادان ما نصه وإليها ينسب القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسن بن أحمد الشافعي العباداني

روى عنه السلفي وقال هو من أولاد الدهر درس بالبصرة أزيد من أربعين سنة في مذهب الشافعي

قال ذكر لي ذلك في سنة خمسمائة وعاش بعد ذلك ما لا أتحققه

وسألته عن مولده فقال سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بالبصرة وأن والده مولده أصبهان

568 أحمد بن حمزة بن أحمد التنوخي العرقي بكسر أوله وسكون ثانيه

قال السلفي قرأ على كثيرا من الحديث وعلقت عنه فوائد أدبية

سمع الحديث وقرأ القرآن على أبي الحسين الخشاب

واللغة على ابن القطاع

والنحو على مسعود الدولة الدمشقي

وكان أبوه ولي القضاء بمصر

ولد سنة اثنتين وستين وأربعمائة

وتوفي بالإسكندرية ثم حمل لمصر ودفن بها

وكان شافعيا بارعا في الأدب

ولم يذكر السلفي وفاته

ذكر ذلك ياقوت في البلدان في الكلام على بلد عرقة بلد بشرقي طرابلس في آخر أعمال دمشق

569 أحمد بن زر بن كم بن عقيل أبو نصر الكمال السمناني

أبوه زر بكسر الزاي بعدها راء مشددة

وجده كم بضم الكاف بعدها ميم مشددة

كذا أحفظه

وسمعت من يقول بل والده زرين كم بفتح الزاي ثم الراء الساكنة الخفيفة ثم آخر الحروف ساكنة ثم نون ثم كاف مضمومة ثم ميم مشددة

قال وهو اسم عجمي على هيئة مضاف ومضاف إليه وجده عقيل

570 أحمد بن سعد بن علي بن الحسن بن القاسم بن عنان أبو علي ابن الإمام أبي منصور العجلي الهمذاني المعروف بالبديع

ولد سنة ثمان وخمسين

وسمعه أبوه

ثم رحل هو بنفسه إلى أصبهان وبغداد والكوفة والري

سمع أبا إسحاق الشيرازي ويوسف بن محمد الهمذاني الخطيب وأبا الفرج بن عبد الحميد وأبا طاهر بن الزاهد وغالب الهمذانيين وسليمان بن إبراهيم الحافظ والقاسم بن الفضل الرئيس بأصبهان وابن البطر وجماعة ببغداد ومكي بن علان بالكرج

روى عنه ابن عساكر وابن السمعاني وابن الجوزي وطائفة

قال ابن السمعاني شيخ إمام فاضل ثقة كبير جليل القدر واسع الرواية حسن المعاشرة وله شعر جيد

توفي في رجب سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وقبره يزار

571 أحمد بن سلامة بن عبيد الله بن مخلد بن إبراهيم البجلي الكرخي أبو العباس ابن الرطبي

كان أحد الأئمة ومن يضرب به المثل في الخلاف والنظر

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ

ثم خرج إلى أصبهان فأخذ عن محمد بن ثابت الخجندي

وولي القضاء بالحريم الظاهري ببغداد والحسبة

سمع أبا القاسم بن البسري وأبا نصر الزينبي وغيرهما

روى عنه علي بن أحمد اليزدي ويحيى بن ثابت البقال ويحيى بن بوش وغيرهم

وكان يؤدب الراشد بالله أمير المؤمنين وكثيرا من أولاد الخلفاء

ولد في أواخر سنة ستين وأربعمائة

وتوفي في رجب سنة سبع وعشرين وخمسمائة

572 أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن شمر الخمقري القاضي أبو نصر البهوني

من أهل بهونة إحدى القرى الخمس التي يقال لها بنج دية من قرى مرو ويقال لمن ينسب إليها خمقري بفتح الخاء المعجمة وسكون الميم وفتح القاف وفي آخرها الراء ثم ياء النسب

وهذه القرى خمس مجتمعة وهي ابغاني ومرست ويزد وكريكان وبهونة ويقال لها خمس قرى

هكذا يقولون هذه خمس قرى ورأيت خمس قرى ومررت بخمس قرى

ويقال لها أيضا بنج ديه

ولد في العشرين من شعبان سنة ست وستين وأربعمائة

وتفقه على أسعد الميهني وأبي بكر السمعاني

قال ابن السمعاني في كتاب التحبير وتفقه بطوس أيضا على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي

وسمع هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي وأبا سعيد محمد بن علي البغوي وغيرهما

قال ابن السمعاني كان إماما فاضلا متفننا مناظرا مبرزا عارفا بالأدب واللغة مليح الشعر نظر في علوم الأوائل وحصل منها طرفا مع حسن الاعتقاد وسرعة الدمعة والمواظبة على الصلاة

سمعت منه كتاب فضيلة العلم والعلماء من جمع هبة الله الشيرازي بروايته عنه

وكان قد اختل في آخر عمره واختلط وخف دماغه

توفي في شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمسمائة بخمس قرى وهي بنج ديه

هذا كلامه في التحبير ولم يذكره في الأنساب وإنما ذكر شيخا خمقريا غيره يقال له عبد الله بن سعيد سمع أيضا من هبة الله الشيرازي وتوفي قبل هذا بسنة

573 أحمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله أبو الحسن ابن الآبنوسي البغدادي الوكيل

ولد سنة ست وستين وأربعمائة

وسمع أبا القاسم بن البسري وأبا نصر الزينبي وجماعة

حدث عنه أبو سعد السمعاني وأبو القاسم بن عساكر وغيرهما

وتفقه على القاضي أبي بكر الشامي وأبي الفضل الهمذاني

وكان يعرف المذهب والخلاف والفرائض والحساب

توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة

574 أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد الشاشي أبو نصر بن أبي محمد بن الإمام أبي بكر

تفقه على أبي الحسن ابن الخل

وسمع منه ومن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى

وحدث بيسير

مات في يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة ست وسبعين وخمسمائة

575 أحمد بن عبد الرحمن بن الأشرف البكري المروزي الواعظ ذكره الحافظ أبو سعد في شيوخه

وذكره ابن باطيش

576 أحمد بن عبد الرزاق بن حسان بن سعيد بن حسان المنيعي

من بيت الرياسة التامة والحشمة الزائدة

قال ابن السمعاني كان فقيها فاضلا مبرزا

رحل إليه الفقهاء ودرسوا عليه

وبنى المدرسة الكبيرة ببلده مرو الروذ

وحدث عن جماعة

وتوفي سنة نيف وعشرة وخمسمائة بمرو الروذ

577 أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن أحمد بن عبد الوهاب بن محمد ابن دينار الأصغر بن محمد بن دينار الأكبر

وصل ابن النجار نسبه إلى كسرى أنوشروان

أبو العباس بن أبي يعلى بن أبي القاسم

من أهل البندنيجين وكان قاضيها

سمع ببغداد من أبي القاسم بن الحصين وغيره

ولد في ليلة العيد الأكبر سنة إحدى وخمسمائة

وتوفي في حدود سنة خمس وسبعين وخمسمائة بالبندنيجين

578 أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة الشيخ الزاهد الكبير

أحد أولياء الله العارفين والسادات المشمرين أهل الكرامات الباهرة أبو العباس بن أبي الحسن بن الرفاعي المغربي

قدم أبوه إلى العراق وسكن ببعض القرى وتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد ورزق منها أولادا منهم الشيخ أحمد هذا لكنه مات وأحمد حمل فلما ولد رباه وأدبه خاله منصور

وكان مولده في المحرم سنة خمسمائة

وتفقه على مذهب الشافعي وكان كتابه التنبيه

ولو أردنا استيعاب فضائله لضاق الوقت ولكنا نورد ما فيه بلاغ

قال الشيخ يعقوب بن كراز وهو من أخص أصحاب الشيخ أحمد كان سيدي أحمد في المجلس فقال لأصحابه أي سادة أقسمت عليكم بالعزيز سبحانه من كان يعلم في عيبا فليقله

فقام الشيخ عمر الفاروثي فقال أنا أعلم عيبك إن مثلنا من أصحابك

فبكى الشيخ والفقراء

وقال أي عمر إن سلم المركب حمل من فيه في التعدية

وقيل إن هرة نامت على كم الشيخ وجاء وقت الصلاة فقص كمه ولم يزعجها وعاد من الصلاة فوجدها قد قامت فوصل الكم بالثوب وخيطه وقال ما تغير شيء

وعن يعقوب دخلت على سيدي أحمد في يوم بارد وقد توضأ ويده ممدودة فبقي زمانا لا يحرك يده فتقدمت إلى تقبيلها فقال أي يعقوب شوشت على هذه الضعيفة

قلت من هي

قال البعوضة كانت تأكل رزقها من يدي فهربت منك

قال ورأيته مرة يتكلم ويقول يا مباركة ما علمت بك أبعدتك عن وطنك

فنظرت فإذا جرادة تعلقت بثوبة وهو يعتذر إليها رحمة لها

وقال الشيخ أحمد سلكت كل طريق فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الذل والافتقار والانكسار لتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله والاقتداء بسنة سيدي رسول الله

وكان يجمع الحطب ويحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين وربما كان يملأ الماء لهم

قال يعقوب قال لي سيدي أحمد لما بويع منصور قيل له منصور اطلب

فقال أصحابي

فقال رجل لسيدي أحمد يا سيدي فأنت أيش

فبكى وقال أي فقير ومن أنا في البين ثبت نسب واطلب ميراث

فقلت يا سيدي أقسم عليك بالعزيز أيش أنت

قال يعقوب لما اجتمع القوم وطلب كل واحد شيئا دارت النوبة إلى هذا اللاش أحمد وقيل أي أحمد اطلب

قلت أي رب علمك محيط بطلبي

فكرر علي القول

فقلت أي مولاي أريد ألا أريد وأختار ألا يكون لي خيار

فأجابني وصار الأمر له

وعن يعقوب مر سيدي أحمد على دار الطعام فرأى الكلاب يأكلون التمر من القوصرة وهم يتحارشون فوقف على الباب لئلا يدخل إليهم أحد يؤذيهم

وعنه لو أن عن يميني خمسمائة يروحوني بمراوح الند والطيب وهم من أقرب الناس إلي وعن يساري مثلهم وهم من أبغض الناس لي معهم مقاريض يقرضون بها لحمى ما زاد هؤلاء عندي ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه ثم قرأ ‏{‏لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ‏}

وكان لايجمع بين قميصين لا في شتاء ولا صيف ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلة

وأحضر بعض الأكابر مريضا ليدعو له الشيخ فبقي أياما لم يكلمه فقال يعقوب أي سيدي ما تدعو لهذا المريض

فقال أي يعقوب وعزة العزيز لأحمد كل يوم عليه حاجة مقضية وما سألته منها حاجة واحدة فقلت أي سيدي فتكون واحدة لهذا المريض المسكين

فقال لا كرامة ولا غزازة تريدني أكون سيىء الأدب لي إرادة وله إرادة

ثم قرأ ‏{‏أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ أي يعقوب الرجل المسكين المتمكن في أحواله إذا سأل الله حاجة وقضيت له نقص تمكنه درجة

فقلت أراك تدعو عقيب الصلوات وكل وقت

قال ذاك الدعاء تعبد وامتثال ودعاء الحاجات له شروط وهو غير هذا الدعاء

ثم بعد يومين تعافى ذاك المريض

وعن يعقوب وسئل عن أوراد سيدي أحمد فقال كان يصلي أربع ركعات بألف قل هو الله أحد ويستغفر كل يوم ألف مرة واستغفاره أن يقول ‏{‏لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ عملت سوءا وظلمت نفسي وأسرفت في أمري ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت

وذكر غير ذلك

توفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة

ومناقبة أكثر من أن تحصر وقد أفرد لها بعض الصلحاء كتابا يخصها

579 أحمد بن علي بن أحمد القاضي أبو العباس الطيبي

قاضي الطيب بكسر الطاء وإسكان الياء أخر الحروف

تفقه على الشيخ أبي إسحاق

وسمع الحديث من ابن المهتدي وابن المأمون

ولد سنة أربع وأربعين وأربعمائة

وروى عنه أبو الحسن اليزدي وغيره

واستشهد بالطيب بعد سنة خمسمائة

580 أحمد بن علي بن بدران أبو بكر الحلواني

المذكور في باب قسم الصدقات من شرح الرافعي أنه سمع أبا إسحق الشيرازي يقول في اختياره ورأيه إنه يجوز صرف زكاة الفطر إلى النفس الواحدة

نقل الرافعي ذلك من خطه عن الشيخ أبي إسحق

وكان هذا الشيخ بغداديا صالحا يعرف بخالوه

ولد في حدود سنة عشرين وأربعمائة

وسمع الكثير من الحديث من القاضي أبي الطيب والماوردي والجوهري وآخرين

روى عنه أبو القاسم بن السمرقندي والسلفي وخطيب الموصل أبو الفضل وخلق أخرهم ابن كليب

قال السلفي كان ممن يشار إليه بالصلاح والعفة وقد خرج الحميدي من حديثه فوائد سمعناها عليه

توفي سنة سبع وخمسمائة

ومن تصانيفه

كتاب لطائف المعارف

وفيه يقول أول ماظهر من الظلم في هذه الأمة قولهم تنح عن الطريق

يقال إن ذلك حدث في زمان عثمان رضي الله تعالى عنه

أول من اتخذ البيمارستان الوليد بن عبد الملك

581 أحمد بن علي بن محمد بن برهان الأصولي

وبرهان بفتح الباء الموحدة

هو الشيخ الإمام أبو الفتح

كان أولا حنبلي المذهب ثم انتقل

وتفقه على الشاشي والغزالي وإلكيا

وكان حاذق الذهن عجيب الفطرة لا يكاد يسمع شيئا إلا حفظه وتعلق بذهنه

ولم يزل مواظبا على العلم حتى ضرب المثل باسمه

وولى تدريس النظامية مدة يسيرة ثم عزل ثم وليها يوما واحدا ثم عزل ثانيا

وكانت الرحلة قد انتهت إليه وتزاحمت الطلاب على بابه حتى انتهى حاله إلى أن صار جميع نهاره وقطعه من ليله مستوعبا في الاشتغال يجلس من وقت السحر إلى وقت العشاء الآخرة ويتأخر أيضا بعدها

وحكي أن جماعة سألوه أن يذكر لهم درسا من كتاب الإحياء للغزالي فقال لا أجد لكم وقتا

فكانوا يعينون الوقت فيقول في هذا الوقت أذكر الدرس الفلاني إلى أن قرروا معه أن يذكر لهم درسا من الإحياء نصف الليل

وقد سمع الحديث من أبي الخطاب بن البطر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد ابن محمد بن طلحة النعالي وغيرهما

وقرأ صحيح البخاري علي أبي طالب الزينبي

ولد في شوال سنة تسع وسبعين وأربعمائة

ومات في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وخمسمائة

وله مصنفات في أصول الفقه منها الأوسط و الوجيز وغير ذلك

وحكى في الوجيز قولا ثالثا في مفهوم اللقب عن بعض علمائنا أنه إن كان اسم ذات كقولك قام زيد فهو غير حجة وإن كان اسم نوع كقولك تجب الزكاة في النعم فحجة

582 أحمد بن عمر بن الحسن الكردي أبو العباس المعروف بالوجيه

قال ابن النجار قرأ الفقه بتبريز على فقيهها ابن أبي عمرو حتى برع فيه

ويقال إنه كان يحفظ كتاب المهذب لأبي إسحاق الشيرازي جميعه ‏.‏ ‏.‏

قدم بغداد واستوطنها إلى حين وفاته

ورتب معيدا بالمدرسة النظامية

قال وكان من أعيان الفقهاء المشهورين بالفضل والزهد والديانة والتقوى

رأيته غير مرة وكان عليه مهابة وجلالة وأنوار العلم والصلاح ظاهرة عليه

توفي في ذي الحجة من سنة إحدى وتسعين وخمسمائة

583 أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة الحافظ الكبير أبو ظاهر بن أبي أحمد السلفي الأصبهاني الجراوآني

وجروآن بفتح الجيم وإسكان الراء ثم الواو ثم الألف الممدودة ثم النون محلة بأصبهان

وسلفة فيما ذكر شيخنا الذهبي لقب لأحمد وفيما كنت أحفظه اسم لوالد إبراهيم ولعل الأثبت ما ذكر شيخنا

كان حافظا جليلا وإماما كبيرا واسع الرحلة دينا ورعا حجة ثبتا فقهيا لغويا انتهى إليه علو الإسناد مع الحفظ والإتقان

قيل مولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تخمينا لا يقينا

وقيل سنة خمس وسبعين

وقيل سنة ثمان وسبعين وهو قول ساقط فإن السلفي جاوز المائة بلا ريب

وقد طلب الحديث وكتب الأجزاء وقرأ بالروايات في سنة تسعين وبعدها

وحكى عن نفسه إنه حدث سنة اثنيتن وتسعين وما في وجهه شعرة وأنه كان ابن سبع عشرة سنة أو نحوها

وقال الحافظ عبد الغني سمعته يقول أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وكان عمري نحو عشر سنين وقد كتبوا عني في أول سنة اثنتين وتسعين وأنا ابن سبع عشرة سنة أو أكثر أو أقل وليس في وجهي شعرة كالبخاري يعني لما كتبوا عنه

وأول سماع السلفي سنة ثمان وثمانين سمع من القاسم بن الفضل الثقفي وسمع من عبد الرحمن بن محمد بن يوسف السمسار وسعيد بن محمد الجوهري ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني والفضل بن علي الحنفي ومكي بن منصور بن علان الكرجي ومعمر بن أحمد اللنباني

وعمل معجما حافلا لشيوخه الأصبهانيين

ثم رحل في رمضان سنة ثلاث وتسعين إلى بغداد وأدرك نصرا ابن البطر

قال فيما يحكي عن نفسه دخلتها في رابع شهر شوال فلم يكن لي همة ساعة دخولها إلا المضي إلى ابن البطر فدخلت عليه شيخا عسرا فقلت قد وصلت من أصبهان لأجلك

فقال اقرأ

جعل بدل الراء غينا

فقرأت عليه وأنا متك لأجل دما مل بي

فقال أبصر ذا الكلب

فاعتذرت إليه بالدماميل وبكيت من كلامه وقرأت سبعة عشر حديثا وخرجت

ثم قرأت عليه نحوا من خمسة وعشرين جزءا ولم يكن بذاك

وسمع ببغداد أيضا من أبي بكر الطريثيثي وأبي عبد الله بن البسرى وثابت بن بندار والموجودين بها إذ ذاك

وعمل معجما لشيوخها

ثم حج وسمع في طريقه بالكوفة من أبي البقاء المعمر بن محمد الحبال

وبمكة من الحسين بن علي الطبري

وبالمدينة من أبي الفرج القزويني

وعاد إلى بغداد فتفقه بها واشتغل بالعربية

ثم رحل إلى البصرة سنة خمسمائة فسمع من محمد بن جعفر العسكري وجماعة

وبزنجان من أبي بكر أحمد بن محمد بن زنجوية

وبهمذان من أبي غالب أحمد بن محمد المزكي وطائفة

وجال في الجبال ومذنها

وسمع بالري والدينور وقزوين وساوة ونهاوند

وكذلك طاف بلاد أذربيجان إلى دربند فسمع بأماكن وعاد إلى الجزيرة من ثغر آمد

وسمع بخلاط ونصيبين والرحبة

وقدم دمشق سنة تسع وخمسمائة بعلم جم فأقام بها عامين وسمع بها من أبي طاهر الحنائي وأبي الحسن ابن الموازيني وخلق

ثم مضى إلى صور وركب منها البحر الأخضر إلى الإسكندرية واستوطنها إلى الموت

لم يخرج منها إلا مرة في سنة سبع عشرة إلى مصر فسمع من أبي صادق المديني والموجودين بها وعاد وجمع معجما ثالثا لشيوخه فيما عدا بغداد وأصبهان

سمع منه ببغداد من شيوخه ورفاقه أبو علي البرداني وهزارسب بن عوض وأبو عامر العبدري وعبد الملك بن يوسف وسعد الخير الأندلسي

وروى عنه شيخة الحافظ محمد بن طاهر وسبطة أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي وبينهما في الموت مائة وأربع وأربعون سنة

وروى عنه أيضا الحافظ سعد الخير وعلي بن إبراهيم السرقسطي

وأبو العز محمد بن علي الملقاباذي والطيب بن محمد المروزي

وقد روى عن هؤلاء الثلاثة عنه الحافظ أبو سعد ابن السمعاني ومات ابن السمعاني قبله بأربع عشرة سنة

وروى عنه أيضا الصائن هبة الله بن عساكر ويحيى بن سعدون القرطبي

وروى عنه بالإجازة جماعة ماتوا قبله منهم القاضي عياض

وحدث عنه أمم منهم حماد الحراني والحفاظ علي بن المفضل وعبد الغني وعبد القادر الرهاوي والفقيه بهاء الدين بن الجميزي والسبط وخلائق آخرهم أبو بكر محمد بن الحسن السفاقسي ابن أخت الحافظ علي ابن المفضل المتوفى سنة أربع وخمسين وستمائة روى عن السلفي المسلسل بالأولية حضورا ولم يكن عنده سواه

قال شيخنا الذهبي لا أعلم أحدا في الدنيا حدث نيفا وثمانين سنة سوى السلفي

تفقه السلفي على إلكيا أبي الحسن الطبري وفخر الإسلام الشاشي ويوسف ابن علي الزنجاني

وأخذ الأدب عن أبي زكريا التبريزي وغيره

وقرأ القرآن بالروايات

ذكره ابن عساكر فقال سمع من لا يحصى وحدث بدمشق فسمع منه أصحابنا ولم أظفر بالسماع منه

وسمعت بقرأءته من شيوخ عدة

ثم خرج إلى مصر واستوطن الإسكندرية وتزوج بها امرأة ذات يسار

وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف

وصارت له بالإسكندرية وجاهة

وبنى له العادل علي بن إسحاق ابن السلار أمير مصر مدرسة بالإسكندرية

وحدثني عنه أخي وأجاز لي

انتهى

وابن السلار وزير الخليفة الظافر العبيدي صاحب مصر وهذه عادة وزراء العبيديين يسمون بالملوك

وكان ابن السلار هذا سنيا شافعيا ولي ثغر الإسكندرية مدة قبل الوزراء وبنى المدرسة إذ ذاك

وقال ابن السمعاني هو ثقة ورع متقن مثبت حافظ فهم له حظ من العربية كثير الحديث حسن الفهم والبصيرة فيه

وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر أنه قال عن السلفي كان ببغداد كأنه شعلة نار في تحصيل الحديث

قال عبد القادر وكان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفته لهم في المذهب وكان لا تبدو منه جفوة لأحد ويجلس للحديث فلا يشرب ماء ولا يبصق ولا يتورك ولا يبدوا له قدم وقد جاوز المائة

بلغني أن سلطان مصر حضر عنده للسماع فجعل يتحدث مع أخيه فزبرهما وقال أيش هذا نحن نقرأ الحديث وأنتما تتحدثان

قال وبلغني أنه في مدة مقامه بالإسكندرية وهي أربع وستون سنة ما خرج إلى بستان ولا فرجة غير مرة واحدة بل كان عامة دهره ملازما مدرسته وما كنا نكاد ندخل عليه إلا نراه مطالعا في شيء

وكان حليما متحملا كفاء الغرباء

وقد سمعت بعض فضلاء همذان يقول السلفي أحفظ الحفاظ

قال عبد القادر وكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر أزال من جواره منكرات كثيرة

وجاء جماعة من المقرئين بالألحان فأرادوا أن يقرءوا فمنعهم من ذلك وقال هذه القراءة بدعة بل اقرءوا ترتيلا

فقرءوا كما أمرهم

قلت القراءة بالألحان جائزة ما لم يفرط بحيث يزيد حرفا أو ينقص حرفا

وقال ابن نقطة في السلفي كان حافظا ثقة جوالا في الآفاق سآلا عن أحوال الرجال شجاعا

سمع الذهلي والمؤتمن الساجي وأبا علي البرداني وأبا الغنائم النرسي وخميسا الحوزي

وحدثني عنه عبد العظيم المنذري الحافظ قال لما أرادوا قراءة سنن النسائي على السلفي أتوه بنسخة سعد الخير وهي مصححة قد سمعها من الدوني فقال اسمي فيها

فقالوا لا

فاجتذبها من يد القارىء بغيظ وقال لا أحدث إلا من أصل فيه اسمي ولم يحدث بالكتاب

وقال لي عبد العظيم إن أبا الحسن المقدسي قال حفظت أسماء وكنى وجئت إلى السلفى وذاكراته بها فجعل يذكرها من حفظه وما قال لي أحسنت

وقال ما هذا شيء مليح أنا شيخ كبير في هذه البلدة هذه السنين لا يذاكرني أحد وحفظي هكذا

انتهى

ويحكى عن السلفي أنه كان إذا اشتد الطلق بامرأة جاء أهلها إليه فكتب لهم ورقة تعلق عليها فتخلص بإذن الله تعالى ولا يعلم ما يكتب فيها ثم كشف عن ذلك فإذا هو يكتب فيها اللهم إنهم ظنوا بنا خيرا فلا تخيبنا ولا تكذب ظنهم

وكان السلفي مغرى بجمع الكتب حصل منها الكثير وكتب بخطه لا سيما من الأجزاء ما لا يعد كثرة

توفي صبيحة يوم الجمعة الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة فجأة وله مائة وست سنين على ما يظهر

ولم يزل يقرأ عليه الحديث إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته وهو يرد على القارىء اللحن الخفي وصلى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر وتوفي عقيبة فجأة

ومن شعره رحمه الله تعالى

قال أبو شامة سمعت الإمام علم الدين السخاوي يقول سمعت أبا طاهر السلفي يوما ينشد لنفسه شعرا قاله قديما وهو

أنا من أهل الحديث ** وهم خير فئة

جزت تسعين وأرجو ** أن أجوزن المائة

فقيل له قد حقق الله رجاءك

فعلمت أنه قد جاوز المائة وذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة

كتبت إلى زينب بنت الكمال وأحمد بن علي الجزري وفاطمة بنت أبي عمر عن محمد بن عبد الهادي عن السلفي رحمه الله

ليس حسن الحديث قرب رجال ** عند أرباب علمه النقاد

بل علو الحديث عند أولى الإتقان ** والحفظ صحة الإسناد

فإذا ما تجمعا في حديث ** فاغتنمه فذاك أقصى المراد

وبالإسناد قال

ضل المجسم والمعطل مثله ** عن منهج الحق المبين ضلالا

وأتى أماثلهم بنكر لارعوا ** من معشر قد حاولوا الإشكالا

وغدوا يقيسون الأمور برأيهم ** ويدلسون على الورى الأقوالا

فالأولون تعدوا الحق الذي ** قد حد في وصف الإله تعالى

وتصوروه صورة من جنسنا ** جسما وليس الله عز مثالا

والآخرون فعطلوا ما جاء في القرآن ** أقبح بالمقال مقالا

وأبوا حديث المصطفى أن يقبلوا ** ورأوه حشوا لا يفيد منالا

وبالإسناد أيضا

غرضي من الدنيا صديق ** لي صدوق في المقه

يرعى الجميل وعينه ** عن كل عيب مطرقه

وإذا تغير من تغير ** كنت منه على ثقه

ذكر استفتاء وقع في زمان الحافظ أبي طاهر

ومن نبأ هذه الفتيا أن اليهود قبحهم الله رفعوا قصة إلى السلطان صلاح الدين رحمه الله أنهوا فيها أن عادتهم لم تزل بحمل أمورهم على ما يراه مقدم شريعتهم فهم يتحاكمون إليه ويتوارثون على حسب شرعهم من غير أن يعترضهم في ذلك معترض وإن كان في الورثة صغير أو غائب كان المحتاط على نصيبه مقدمهم وسؤالهم حمل الأمر على العادة

فكتب السلطان ما نصه ليذكر السادة الأئمة وفقهم الله ما عندهم على مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما

فكتب أبو طاهر بن عوف الإسكندري وجماعة مالكية ما عندهم

وكتب الحافظ أبو طاهر السلفي ما نصه الحكم بين أهل الذمة إلى حاكمهم إذا كان مرضيا باتفاق منهم كلهم وليس لحاكم المسلمين النظر في ذلك إلا إذا أتاه الفريقان وهو إذا مخير كما في التنزيل ‏{‏فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ‏}‏ وأما مال الغائب والطفل فهو مردود إلى حاكمهم وليس لحاكم المسلمين فيه نظر إلا بعد جرحه ببينة عليه وجباية ظاهرة وبالله التوفيق

وكتبه أحمد بن محمد الأصبهاني

قلت وقد ذكر الإمام الشيخ الوالد رحمه الله هذه الفتيا في كتابه المسمى كشف الغمة في ميراث أهل الذمة وحكى خطوط الجماعة كلهم وذكر أنه وقف عليه أحضره له بعض اليهود ليستفتيه في هذا المعنى

قال الوالد فإن كانوا زوروه فهم عريقون في التزوير وإلا فنتكلم عليه

ثم تكلم على كلام واحد واحد إلى أن انتهى إلى السلفي فقال وأما السلفي فهو محدث جليل وحافظ كبير وماله وللفتوى وما رأيت له قط فتوى غير هذه وما كان ينبغي له أن يكتب فإن لكل عمل رجالا

وقوله يتخير الحاكم في الحكم بينهم هو أحد قولي الشافعي ولعله لما كان مقيما بالإسكندرية وليس فيها إذ ذاك إلا مذهب مالك ونظره في الفقه قليل أو مفقود اعتقد أن الراجح عند الشافعية التخيير كالمالكية والصحيح عند الشافعية وجوب الحكم لقوله تعالى ‏{‏وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ‏}

وقوله في مال الغائب والطفل لعله تقييد وحسن ظن بمن قاله من المالكية أما الشافعية الذين هو متمذهب بمذهبهم فلم يقل به أحد منهم

انتهى وسبب تصنيف الوالد رحمه الله هذا الكتاب أنه وردت عليه فتيا في ذمى مات عن زوجة وثلاث بنات هل لوكيل بيت المال أن يدعي بما يقي عن ثمن الزوجة وثلثي البنات فيأ لبيت مال المسلمين ويحكم القاضي بذلك

فكتب أن له ذلك وصنف فيه الكتاب المذكور

وذكر فيه أن الاستفتاء رفع إلى الشيخ زين الدين بن الكتناني على صورة أخرى وهي ذمي مات وخلف ورثة يستوعبون ميراثه على مقتضى شرعهم فأراد وكيل بيت المال التعرض لهم فكتب ابن الكتناني ليس لوكيل بيت المال التعرض والحالة هذه

قال الشيخ الإمام فإن كان مستند ابن الكتناني الرد أو توريث ذوي الأرحام فهو لم يذكر له في السؤال تعيين الورثة بل قالوا على مقتضى شريعتهم وحاروا أن يكونوا يرون توريث ورثته واستيعابهم ممن يجمع المسلمون على عدم توريثهم

وإن كان مستنده فساد بيت المال فالمتأخرون إنما قالوا ذلك في الرد وذوي الأرحام وهو لم يسأل عن ذلك بل أطلق السائل سؤاله فشمل ذلك وغيره

وإن كان مستنده تقريرهم على مقتضى شرعهم فليس له سلف من الشافعية يقول به

قال فجوابه خطأ علىكل تقدير يفرض

قال وحضرت إلى فتيا عليها خطوط أربعة من الشاميين بالحمل على مقتضى مواريثهم

قال وهو إطلاق لا يمكن حمله على وجه من وجوه الصواب إلا بأن يراد إذا خلف ورثة مستوعبين بمقتضى شريعة الإسلام ولم يترافعوا إلينا فلا نتعرض لهم في قسمتهم وإطلاق تلك الفتاوى وإرادة هذه الصورة الخاصة خطأ وتجهيل وإغراء بالجهل

584 أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن المظفر الهروي الشيخ أبو مطيع بن أبي المظفر بن أبي مطيع

كان جده أبو مطيع من أصحاب الإمام أبي القاسم الفوراني

وأما أبو مطيع هذا فقال ابن السمعاني في التحبير ولد قبل الصلاة يوم الجمعة نصف ذي الحجة سنة سبع وسبعين وأربعمائة

قال وكان شيخا عالما بهي المنظر كثير المحفوظ واعظا مليح الوعظ يحفظ الحكايات وأحوال الناس

سمع بمرو أبا الفرج الزاز السرخسي وأبا عمرو الفضل بن أحمد بن متويه الكاكويي

وبسرخس أبا حامد بن عبد الجبار بن علي الحمكاني وغيرهم

روى عنه ابن السمعاني وولده عبد الرحيم بن أبي سعد

وقال توفي يوم السبت رابع عشر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وخمسمائة

585 أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر أبو المظفر ابن فخر الإسلام أبي بكر الشاشي

تفقه على أبيه

وسمع من أبي عبد الله بن طلحة

وحدث باليسير

روى عنه أبو بكر بن كامل والحافظ ابن عساكر

توفي يوم الجمعة عاشر رجب سنة تسع وعشرين وخمسمائة ببغداد ودفن في داره عند جامع القصر

ومن الرواية عنه

كتب إلى أحمد بن أبي طالب عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمود بن الحسن المؤرخ أخبرني عمر بن عبد الرحمن الأنصاري بدمشق أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين ابن عمر أبو المظفر بن أبي بكر الشاشي بقراءتي عليه ببغداد وأخبرنا علي بن أبي محمد بن رشيد البزار أخبرنا عبد الواحد بن الحسين البزاز قالا قراءة أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي قراءة عليه أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أخبرنا إسماعيل ابن محمد النحوي حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي حدثنا يحيى ابن سعيد القطان حدثنا ثور هو ابن يزيد عن خاله وهو ابن معدان عن أبي أمامة قال كان رسول الله إذا رفعت المائدة قال ‏(‏ الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا ‏)‏

ومن الفوائد عنه أيضا

أحمد بن محمد بن أحمد بن زنجويه أبو بكر الزنجاني

وزنجان بفتح الزاي وإسكان النون ثم جيم وآخرها نون بلدة في العجم معروفة

أحد تلامذه القاضي أبي الطيب الطبري

له رواية

روى عنه محمد بن طاهر وأبو طاهر السلفي

قال السلفي وكانت الرحلة إليه لفضله وعلو إسناده

سمعته يقول لي أفتي من سنة تسع وعشرين

قال وقيل لي عنه إنه لم يفت خطأ قط

قال وأهل بلده يبالغون في الثناء عليه الخواص والعوام ويذكرون ورعه وقلة طمعه

586 أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح الحديثي

من الحديثة بلدة بالعراق على الفرات

أبو نصر الشاهد

والد قاضي القضاة روح

مولده سنة سبع وخمسين وأربعمائة

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي

وسمع النقيب أبا الفوارس طراد بن محمد الزينبي وأبا الفضائل محمد بن أحمد بن عبد الباقي ابن طوق الموصلي

وحدث باليسير

روى عنه ابن ابنه عبد الملك بن روح والمبارك بن كامل الخفاف في معجم شيوخه والحافظ أبو سعد السمعاني

توفي ليلة الخميس رابع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وخمسمائة

587 أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي ياسر بن علي بن السري الدوري

بضم الدال وسكون الواو من الدور الأسفل بين سامرا وتكريت

أبو العباس بن عون

ذكره ابن باطيش في الفيصل وابن النجار في التاريخ وابن باطيش أعرف به قال كان يعرف بابن عون وكان فقيها فاضلا أديبا شاعرا منشئا كاتبا حاسبا أصوليا متكلما مليح الخط عارفا بعلوم الأوائل حلو الكلام في المناظرة

قرأت عليه أصول الفقه وسمعت بقراءته علي ابن سكينة تفسير الواحدى و غريب الحديث لابن قتيبة

وقال ابن النجار قرأ الفقه والخلاف والأصولين على المجير البغدادي

ومن شعره قال

رضيت إن كان أحبابي فديتهم ** بما أقاسيه من نار الغرام رضوا

إن يقتلوني بلا ذنب فقد علموا ** أن ليس لي في حياة بعدهم غرض

ومن شعره مما كتب به تلميذه ابن باطيش جوابا

وافى كتابك بعد طول ترقب ** فأبل من مرضي وبل غليلا

فلثمته فرحا به وصبابة ** حتى محوت مدادة تقبيلا

ولو أن روحي في يدي بذلتها ** بشرى لحامله وكان قليلا

فكتاب إسماعيل أفراحي به ** فرح الخليل بكبش إسماعيلا

توفي ببغداد في صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة

588 أحمد بن محمد بن بشار الخرجردى البوشنجي أبو بكر الإمام العابد

ساق له صاحبه ابن السمعاني في التحبير نسبا طويلا

ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة

وتفقه بهراة على فقيه الشاش أبي بكر محمد بن علي الشاشي ثم على الإمام أبي الممظفر بن السمعاني وعلق عليه الخلاف والأصول وكتب تصانيفه جميعها بخطه

وقرأ المذهب بمرو على الشيخ أبي الفرج الزاز

وسمع الحديث من شيخه أبي بكر الشاشي وأبي المظفر بن السمعاني ومن أبي تراب عبد الباقي بن يوسف المراغي وخلق كثير

سمع منه ابن السمعاني وسمع بقراءته الكثير

وقال كان إماما فاضلا ورعا مفتيا متفننا

عاد إلى نيسابور واشتغل بالعبادة وانزوى عن الخلق وأعرض عنهم وما كان يخرج إلا أيام الجمعات وكانت أوقاته مستغرقة بالعبادة

قال وخرج عازما على الحج وانصرف من طبرستان إلى نيسابور بسبب وقوع الخلل في الوضوء والطهارة

قال وتوفي بنيسابور يوم الخميس السابع من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة

وهو عصبة الإمام إسماعيل البوشنجي

ذكره ابن السمعاني في التحبير وفي الأنساب

589 أحمد بن محمد بن ثابت بن الحسن بن علي الخجندي أبو سعد بن أبي بكر

ولد الإمام أبي بكر

تفقه على والده

ودرس بالنظامية

وسمع أبا القاسم بن عليك وغيره

وعمر حتى ناطح الثمانين

روى عنه ابن السمعاني وقال توفي يوم السبت غرة شعبان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بأصبهان

590 أحمد بن محمد بن الحسين بن علي الطاي المعروف بابن طلاي

من أهل واسط

تفقه علي القاضي أبي علي الفارقي

وسمع الحديث من أبي القاسم بن السمرقندي وغيرهم

روى عنه يوسف بن محمد بن مقلد الدمشقي وذكر أنه كان شيخا صالحا

توفي سنة أربع وسبعين وخمسمائة بأصبهان

591 أحمد بن محمد بن الحسين القاضي أبو بكر الأرجاني الشاعر الملقب ناصح الدين

كان قاضي مدينة تستر وشاعر عصره

أصله من شيراز

ولد في حدود سنة ستين وأربعمائة

وسمع الحديث بأصبهان مع أبي بكر محمد بن أحمد بن الحسن بن ماجه

وبكرمان من الشريف أبي يعلى بن الهبارية

روى عنه أبو بكر محمد بن القاسم بن المظفر بن الشهرزوري وعبد الرحيم بن أحمد ابن الأخوة وابن الخشاب النحوي وغيرهم

قال أبو سعد بن السمعاني توفي بتستر سنة أربع وأربعين وخمسمائة

ومن الرواية عنه

كتب إلي أبو العباس بن الشحنة عن أبي عبد الله بن النجار الحافظ قال قرأت على أبي القاسم علي بن عبد الرحمن الوراق عن أبي محمد بن الخشاب قال أخبرني القاضي أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني بقراءتي عليه أخبرنا الشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح الهاشمي بكرمان قراءة عليه أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن الفراء البغدادي بها أخبرنا الحافظ أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس أخبرنا عمر بن جعفر بن سلم حدثنا محمد بن يونس حدثنا حاتم بن سالم حدثنا زنفل أبو عبد الله العرفي من أهل عرفات

ح وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن بركات بن أبي الفضل البعلبكي قراءة عليه

وأنا أسمع أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله اليونيني سماعا عليه أخبرنا أبو طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي عن القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الأديب أخبرنا أبو تمام محمد بن الحسن المقري حدثنا علي بن أبي علي بن وصيف القطان حدثنا القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم حدثنا محمد بن إشكاب حدثنا محمد ابن ابي الوزير أبو المطرف حدثنا أبو عبد الله العرفي عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي كان إذا أراد أمرا قال ‏(‏ اللهم خر لي واختر لي ‏)‏

تفرد الترمذي بتخريجه من هذا الوجه فراوة عن محمد بن بشار عن إبراهيم بن أبي الوزير أخي محمد بن أبي الوزير المذكور عن أبي عبد الله زنفل بن عبد الله وقبل زنفل ابن شداد العرفي به

وقال ضعيف لا نعرفه إلا من حديث زنفل وهو ضعيف عند أهل الحديث وليس له نقل في شيء من الكتب الستة سوى هذا الحديث

ومن شعر الارجاني

أنا أشعر الفقهاء غير مدافع ** في العصر أو أنا أفقه الشعراء

شعري إذا ما قلت دونه الورى ** بالطبع لا بتكلف الإلقاء

كالصوت في ظلل الجبال إذا علا ** للسمع هاج تجاوب الأصداء

وله من قصيدة

أأحبتي الشاكين طول تغيبي ** والذاهبين على الهوى في مذهبي

لا تحسبوا أني جعلت على المدى ** لجنابكم بالإختيار تجنبي

ما جبت آفاق البلاد مطوفا ** إلا وأنتم في الورى متطلبي

سعيى إليكم في الحقيقية والذي ** تجدون منى فهو سعى الدهربي

أنحوكم ويرد وجهي القهقري ** سيرى فسيرى مثل سير الكوكب

فالقصد نحو المشرق الأقصى له ** والسير رأى العين نحو المغرب

تالله ما صدق الوشاة بما حكوا ** أني نسيت العهد عند تغربي

هان الممات على بعد فراقكم ** والصعب يسهل عند حمل الأصعب

وله أيضا

ولقد دفعت إلى الهموم تنوبني ** منها ثلاث شدائد جمعن لي

أسف على ماضي الزمان وحيرة ** في الحال منه وخشية المستقبل

ما إن وصلت إلى زمان آخر ** إلا بكيت على الزمان الأول

وله أيضا

حيث انتهت من الهجران في فقف ** ومن وراء دمى بيض الظبا فخف

يا عابثا بعدات الوصل يخلفها ** حتى إذا جاء ميعاد الفراق يفي

اعدل كفاتن قد منك معتدل ** واعطف كمائل غصن منك منعطف

ويا عذولي ومن يصغي إلى عذل ** إذا رنا أحول العينين لا تقف

يلوم قلبي أن أصماه ناظره ** فيم اعتراضك بين السهم والهدف

سلوا عقائل هذا الحي أي دم ** للأعين النجل عند الأعين الذرف

يستوصفون لساني عن محبتهم ** وأنت أصدق يا دمعي لهم فصف

ليست دموعي لنار الشوق مطفئة ** فكيف والماء باد واللهيب خفى

في ذمة الله ذاك الركب إنهم ** ساروا وفيهم حياة المغرم الدنف

فإن أعش بعدهم فردا فوا عجبا ** وإن أمت وجدا فيا أسفي

592 أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري القاضي محيى الدين ابن القاضي كمال الدين

ولد بالموصل سنة سبع وعشرين وخمسمائة

وولى القضاء بها

وتوفي في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة

ذكره ابن باطيش

593 أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العباس الشارقي الأنصاري الواعظ

من تلامذة أبي إسحاق الشيرازي

تفقه عليه

وحج وسمع من كريمة

ودخل العراق وفارس ثم عاد إلى بلاد الغرب وسكن سبتة وفاس

قال ابن بشكوال كان صالحا دينا ذاكرا بكاء واعظا

توفي بشرق الأندلس في نحو الخمسمائة

594 أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هشام الطوسي أبو نصر

خطيب الموصل

مولده سنة سبع أو ثمان وثلاثين وأربعمائة

وسمع من أبي جعفر بن المسلمة وأبي الغنائم بن المأمون وأبي بكر الخطيب وابن النقور وغيرهم

روى عنه أبو الفضل بن ناصر وأبو الفرج بن الجوزي وابنه أبو الفضل خطيب الموصل وآخرون

سمع منه أبو الفضل ابن ناصر وغيره

كتب إليه القاضي المرتضى أبو محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوري يقول

وفيت له بالعهد دهري وما وفا ** وأصفيته محض الوداد وما صفا

وعاملته بالود والوصل والرضا ** وعاملني بالهجر والسخط والجفا

وأعطف إن ولى وأحنو إذا قسا ** وأقرب إذ ينأى وأعفو إذا هفا

وأوليته منى الجميل تحننا ** وأنسا وإرفاقا به وتعطفا

فما زاده إلا جفاء وغلظة ** فإن لان يوما كان ذاك تكلفا

فوف بكأس الود من حاول الوفا ** ودع حظ من يهوى الخلاف ليخلفا

فأجابه أبو نصر ارتجالا

يا من وفيت له العهود وما وفا ** أصفيته منى الوداد وما صفا

وأطعته جهدي فقابل طاعتي ** بالصد منه وبالقطيعة والجفا

ما كان ظني في ودادك أنه ** يزداد لي إلا الصفاء فأخلفا

قابلت محض مودتي بقطيعة ** وهجرتني طبعا وزدت تكلفا

فلأجعلن الصبر عنك مطيتي ** فلعل قلبك أن يلين ويعطفا

فأجابه القاضي المرتضى

حلفت برب البيت والركن والصفا ** يمين صدوق لا يحول عن الوفا

لئن قربت بعد التنائي ديارهم ** وحالوا عن الهجران والغدر والجفا

وعادوا إلى ما كنت أعهد منهم ** من الود والإخلاص والصدق والوفا

تجاوزت عن ذنب الليالي وجرمها ** وعن كل ما يهفو الزمان وما هفا

شعر القاضي المرتضى أولا وآخرا من بحر الطويل وشعر الخطيب من بحر الكامل وكان الأحسن للخطيب أن يجيب من البحر الذي سئل منه ولقد شعر جيدا وما أرق قوله

‏(‏ وهجرتني طبعا وزدت تكلفا ‏)‏

مولده سنة سبع أو ثمان وثلاثين وأربعمائة

ومات بالموصل سنة خمس وعشرين وخمسمائة

595 أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشيخ أبو الفتوح أخو الغزالي

واعظ صوفي عالم عارف

طاف البلاد وخدم الصوفية

وتفقه ثم غلب عليه التصوف والوعظ

واختصر الإحياء الذي صنفه أخوه في مجلد سماه لباب الإحياء

وصنف أيضا الذخيرة في علم البصيرة وغير ذلك

قال الحافظ السلفي حضرت مجلس وعظه بهمذان وكنا في رباط واحد وبيننا ألفة وتودد وكان أذكى خلق الله وأقدرهم على الكلام فاضلا في الفقه وغيره

انتهى

وقال ابن النجار من أحسن الناس كلاما في الوعظ وأرشقهم عبارة مليح التصرف فيما يورده حلو الاستشهاد أظرف أهل زمانه وألطفهم طبعا

خدم الصوفية في عنفوان شبابه

وصحب المشايخ واختار الخلوة والعزلة حتى انفتح له الكلام على طريقة القوم

ثم خرج إلى العراق ومالت إليه قلوب الناس وأحبوه

ودخل بغداد وعقد مجلس الوعظ وظهر له القبول التام وازدحم الناس على حضور مجلسه ودون مجالسه صاعد بن فارس اللبان ببغداد فبلغت ثلاثة وثمانين مجلسا كتبها بخطه في مجلدين

وقال ابن خلكان كان واعظا مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات

وكان من الفقهاء غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه

ودرس بالنظامية نيابة عن أخيه لما تزهد وتركها

ومن كلماته اللطيفة

من كان في الله تلفه كان على الله خلفه

وقرأ القارىء يوما بين يديه ‏{‏يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ‏}‏ الآية

فقال شرفهم بياء الإضافة إلى نفسه بقوله ‏{‏يَا عِبَادِيَ‏}‏ ثم أنشد

وهان على اللوم في جنب حبها ** وقول الأعادي إنه لخليع

أصم إذا نوديت باسمي وإنني ** إذا قيل لي يا عبدها لسميع

وسئل في مجلس وعظه عن قول علي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا والخليل عليه الصلاة والسلام يقول ‏{‏أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏}

فقال اليقين يتصور عليه الجحود والطمأنينة لا يتصور عليها الجحود قال الله تعالى ‏{‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا‏}

وكان يدخل القرى والضياع ويعظ لأهل البوادي تقربا إلى الله تعالى ويحصل له في وعظه حال

وحكى يوما في مجلس وعظه أن بعض العشاق كان مشغولا بحسن الصورة وكان ذلك موافقا له فاتفق أن جاء له يوما بكرة وقال له أنظر إلى وجهي فأنا اليوم أحسن من كل يوم

فقال وكيف ذلك

قال نظرت في المرآة فاستحسنت وجهي فأردت أن تنظر إليه

فقال بعد إن نظرت إلى وجهك قبلي لا يصلح لي

وكان يلقب بلقب أخيه زين الدين حجة الإسلام

قال ابن الصلاح ورأيت مما دون من مجالسة مجلدات أربعا

وحكى يوما على رأس منبره عن أخيه حجة الإسلام أثرا غريبا فقال سمعت أخي حجة الإسلام قدس الله روحه يقول إن الميت من حين يوضع على النعش يوقف في أربعين موقفا يسائله ربه عز وجل

نسأل الله أن يثبتنا على دينه ويختم لنا بخير بمنه وفضله

ومن شعر أخي الغزالي

إذا صحبت الملوك فالبس ** من التوقي أعز ملبس

وادخل إذا ما دخلت أعمى ** واخرج إذا ما خرجت أخرس

قال أبو سعد بن السمعاني توفي أحمد الغزالي في حدود سنة عشرين وخمسمائة

596 أحمد بن محمد بن المظفر الإمام أبو المظفر الخوافي

وخواف بفتح الخاء المعجمة وآخرها فاء بعد الواو والألف قرية من أعمال نيسابور تفقه على أبي إبراهيم الضرير

ثم على إمام الحرمين ولازمه فكان من عظماء أصحابه وأخصاء طلابه يذاكره في ليله ونهاره ويسامره علانية إذا دجا الليل وماج في أسراره والإمام يعجب بفصاحته ويثنى على حسن مناظرته ويصفه بالفضل

ثم درس في حياة الإمام

وولى قضاء طوس ثم صرف عنها

وكان دينا ورعا ناسكا لم تعرف له هناة

سمع الحديث من أبي صالح المؤذن وغيره

كان في المناظرة أسدا لا يصطلى له بنار قادرا على قهر الخصوم وإرهاقهم إلى الانقطاع

قال معاصروه زرق من السعد في المناظرة كما رزق الغزالي من السعد في المصنفات

تفقه عليه عمر السلطان ومحمد بن يحيى وغيرهما

توفي بطوس سنة خمسمائة

597 أحمد بن المظفر بن الحسين أبو العباس الدمشقي

عرف بابن زين التجار

مدرس المدرسة الناصرية الصلاحية المجاورة للجامع العتيق بمصر وبه تعرف المدرسة

توفي في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة

598 أحمد بن المظفر السراجي أبو عبد الله

من أهل سجستان

قال ابن السمعاني فيه إمام أصحاب الشافعي بها في عصره

تفقه بمرو على والدي وأقام عنده مدة وبرع في الفقه وله يد باسطة في النظر

وسمع الكثير وحدث ببلده وكتب لي بإلإجازة

599 أحمد بن منصور بن أحمد بن عبد الله بن جعفر أبو العباس الفقيه

من أهل كازرون أحد بلاد فارس

قدم بغداد في صباه للتفقه في سنة أربعين وخمسمائة فسمع بها من جماعة كثيرين وجمع معجما لمشايخه في سبعة أجزاء

قال ابن النجار وولى القضاء ببلده ثم سكن شيراز إلى حين وفاته

وكان فقيها فاضلا و محدثا صدوقا

قدم بغداد رسولا إلى الديوان من جهة صاحب شيراز في سنة ست وثمانين وخمسمائة

600 أحمد بن منصور بن عبد الجبار بن السمعاني

الإمام أبو القاسم ابن الإمام الجليل أبي المظفر ابن الإمام أبي منصور عم الحافظ أبي سعد وأخو والده الإمام أبي بكر

قال الحافظ أبو سعد كان إماما فاضلا عالما مناظرا مفتيا واعظا مليح الوعظ شاعرا حسن الشعر له فضائل جمة ومناقب كثيرة

وذكر أنه تفقه على والده يعني أبا بكر محمدا أخا أحمد وأخذ عنه العلم وخلفه بعده فيما كان مفوضا إليه

وسمع منه الحديث ومن كامكار بن عبد الرزاق الأديب وأبي نصر محمد بن محمد الماهاني وطبقتهم

قال وانتخبت عليه أوراقا

وقرأت عليه عن شيوخه وخرجت معه إلى سرخس وانصرفنا إلى مرو

وخرجنا في شوال سنة تسع وعشرين إلى نيسابور وكان خروجه بسبببي لأني رغبت في الرحلة لسماع صحيح مسلم فسمع معي الصحيح وعزم على الخروج إلى الوطن وتأخرت عنه مختفيا لأقيم بنيسابور بعد خروجه فصبر إلى أن ظهرت ورجعت معه إلى طوس وانصرفت بإذنه إلى نيسابور ورجع هو إلى مرو وأقمت أنا بنيسابور سنة وخرجت منها إلى أصبهان ولم أره بعد ذلك

وكانت ولادته في سنة سبع وثمانين وأربعمائة

وتوفي في الثالث والعشرين من شوال سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ووصل إلى نعيه وأنا ببغداد

601 أحمد بن موسى بن جوشين بن زغانم بن أحمد أبو العباس الأشنهي

دخل بغداد وتفقه على أبي سعد المتولي صاحب التتمة

وسمع أبا الغنائم الدقاق وأبا جعفر محمد بن أحمد بن حامد النجاري وغيرهما

وحدث بكتاب تنبيه الغافلين

روى عنه أبو بكر المبارك وأبو القاسم ذاكر ابنا كامل بن أبي غالب الخفاف

وكان فقيها فاضلا

ذكره ابن باطيش في الطبقات وابن النجار في التاريخ وقال كان غزير الفضل متدينا صالحا

وقال المبارك بن كامل كان زاهدا ورعا فقيها مفتيا لم أر في أصحابنا مثله

مولده سنة خمسين وأربعمائة

ومات في ليلة السبت ثاني ذي الحجة سنة خمس عشرة وخمسمائة

ودفن يوم السبت بجنب شيخه أبي سعد المتولي

602 أحمد بن نصر بن الحسين أبو العباس الأنباري

المعروف بالشمس الدنبلي بضم الدال وسكون النون وضم الباء الموحدة

كذا ضبطه ابن باطيش في كتاب الفيصل

وكان هذا الرجل من علماء الموصل

قال ابن باطيش تفقه على جماعة وأعاد درس الشيخ أبي المظفر بن مهاجر

وكانت له معرفة تامة بالمذهب ودرس بالنظامية العتيقة بالموصل وبالمدرسة الكمالية القضوية

وولي قبل ذلك نيابة القضاء ببغداد عن القاضي الشهرزوري

قال وكان كثير النقل للمسائل مسددا في الفتاوى معتنيا بوسيط الغزالي

لم يزل يدرس ويفتي إلى أن توفي بالموصل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة

قال وحضرت دفنه والصلاة عليه

603 أحمد بن يحيى بن عبد الباقي بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الله ابن عبيد الله بن عبد الرحمن

أبو الفضل الزهري البغدادي المعروف بابن شقران

معيد المدرسة النظامية ببغداد

كان إماما واعظا صوفيا

سمع أبا الحسن بن العلان وأبا الغنائم بن المهتدي بالله وأبا القاسم بن بيان الرزاز وغيرهم

روى عنه إبراهيم الشعار وأحمد بن منصور الكازروني وعبد العزيز بن الأخضر وغيرهم

توفي في المحرم سنة إحدى وستين وخمسمائة د

وكانت ولادته سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة

604 محمد بن أحمد بن الفضل بن أحمد بن حفص أبو الفضل الماهياني

605 محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الإمام الكبير فخر الإسلام أبو بكر الشاشي

ولد بميافارقين في المحرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة

وكان إماما جليلا حافظا لمعاقد المذهب وشوارده ورعا زاهدا متقشفا مهيبا وقورا متواضعا من العاملين القانتين يضرب المثل باسمه

تفقه علي محمد بن بيان الكازروني وعلى القاضي أبي منصور الطوسي صاحب الشيخ أبي محمد الجويني إلى أن عزل أبو منصور عن قضاء ميافارقين ورجع إلى طوس فرحل فخر الإسلام إلى العراق قبل وفاة شيخه الكازروني ودخل بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وعرف به وصار معيد درسه

وتفقه بها أيضا على أبي نصر بن الصباغ وجد واجتهد حتى صار الإمام المشار إليه

وسمع الحديث من محمد بن بيان الكازروني بميافارقين

وقاسم بن أحمد الخياط بآمد

وأبا بكر الخطيب وأبا إسحاق الشيرازي وأبا جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة وأبا الغنائم بن المأمون وأبا يعلى بن الفراء وغيرهم ببغداد

وهياج بن محمد الحطيني بمكة

روى عنه أبو المعمر الأزجي وأبو الحسن علي بن أحمد اليزدي وأبو بكر ابن النقور وشهده الكاتبة وأبو طاهر السلفي وغيرهم

قال أبو القاسم الزنجاني كان أبو بكر الشاشي يتفقه معنا وكان يسمى الجنيد لدينه وورعه وعلمه وزهده

وقال محمد بن عبد الله القرطبي الفقيه حضرت أبا بكر الشاشي وقد أغمي عليه في مرض موته فلما أفاق أحضر له ماء ليشربه فقال لا أحتاج قد سقاني الآن ملك شربة أغنتني عن الطعام والشراب ثم مات من ساعته

وقال أبو العز الواعظ كنت مشرفا على غسله ولما قلب الغاسل عليه الماء انكشفت الخرقة عن عورته فوضع يده على عورته وسترها

توفي فخر الإسلام يوم السبت خامس عشرى شوال سنة سبع وخمسمائة

ودفن بباب أبرز مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد

وخلف ولدين إمامين في المذهب والنظر أحمد وعبد الله

وكان فخر الإسلام يدرس أولا في مدرسة لنفسه لطيفة بناها بقراح ظفر فلما بنى تاج الملك أبو الغنائم مدرسته بباب أبزر رتبه مدرسا بها ثم لما مات إلكيا الهراسي درس بالنظامية واستمر إلى أن مات

ومن مصنفاته

المستظهري الذي صنفه لأمير المؤمنين المستظهر بالله وهو المسمى حلية العلماء

والمعتمد وهو كالشرح له

والترغيب في المذهب

والشافي في شرح مختصر المزني

والعمدة المختصر المشهور

وصنف أيضا الشافي في شرح الشامل

وكان بقي من إكماله نحو الخمس هذا في سنة أربع وتسعين وأربعمائة

كذا ذكر ابن الصلاح ولعله هو شرح مختصر المزني

ومن الرواية عنه

أخبرنا المشايخ والدي الشيخ الإمام رحمه الله فيما قرأه علينا من لفظه والمسندة زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسي قراءة عليها وأنا أسمع وفاطمة بنت إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر بهذه القراءة التي قرأها والدي رحمه الله عليها وأنا أسمع له قارئا ومستمعا

قال الشيخ الإمام أخبرنا عبد المؤمن بن خلف الحافظ بقراءتي عليه أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي البدر بن مقبل بن فتيان بن المنى وغيره سماعا عن شهدة بنت أحمد بن الفرج الإبري سماعا عليها

وقالت زينب أخبرنا المشايخ أبو جعفر محمد بن عبد الكريم بن السيدي وإبراهيم بن محمود بن سالم بن الخير والأعز بن الفضائل بن العليق ومحمد بن المني إجازة قالوا أخبرتنا شهدة سماعا

وقالت فاطمة أجازنا محمد بن عبد الهادي أجازتنا شهدة قالت حدثنا الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي أخبرنا الشيخ الزاهد أبو عبد الله الحسين بن سلامة أخبرنا محمد بن علي بن محمد بن سليمان بن بحشل حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم المقري حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن حبان حدثنا محمد بن أحمد بن سلمة حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا الفضل بن الموفق ابن عم سفيان الثوري أنبانا الأعمش قال سمعت أبا وائل يقول إن أهل بيت يوجد على مائدتهم رغيف حلال لأهل بيت غرباء

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن محمد بن الحسن بن نباتة بقراءتي عليهما قالا أخبرنا علي بن أحمد الغرافي سماعا أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي ببغداد أخبرنا أبو الحسن محمد بن المبارك بن الخل سماعا عليه أخبرنا شيخنا الإمام أبو بكر محمد ابن أحمد بن الحسين الشاشي قراءة علينا من كتابه أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن بيان بن محمد الكازروني قراءة عليه في جامع ميافارقين أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن مهدي الفارسي قراءة عليه حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل القاضي حدثنا أحمد بن إسماعيل المدني حدثنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رسول الله قال ‏(‏ من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ‏)‏

فقال أبو بكر بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على أحد ممن دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعي أحد من تلك الأبواب كلها

قال ‏(‏ نعم وأرجو أن تكون منهم ‏)‏

كذا وقع في الأصل نودي في الجنة

ومن الغرائب والفوائد والمسائل عنه

قال ابن الرفعة في الكفاية إن الشاشي ذكر في الحلية أنه روي عن الشافعي في الإملاء أن المسلم يقتل بالمستأمن

قلت والذي في الحلية نقل ذلك عن الإملاء عن أبي حنيفة أو عن أبي يوسف لا عن الشافعي

وهذا نص الحلية لا يقتل المسلم بالكافر وبه قال عطاء والحسن البصري ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد وأبو ثور

وقال أبو حنيفة يقتل المسلم بالذمي ولا يقتل بالمستأمن وبه قال الشعبي والنخعي وهو المشهور عن أبي يوسف

وروى عنه في الإملاء أنه يقتل المسلم بالمستأمن

انتهى

فالضمير في عنه يعود على أبي يوسف وأبي حنيفة وأما الشافعي فلم يقل بذاك لا في قديم ولا في جديد بل نقل الإجماع على خلافه في الأم

قال ابن الرفعة أيضا في الكفاية إن الشاشي نقل في الحلية وجها عن بعض العراقيين أنه لا يصح نكاح المسلم الحربية

قلت و هذا كالأول وليس في الحلية نقل ذلك إلا عن العراقيين ولم يقل إنه وجه في المذهب إنما مراده بالعراقيين الحنفية ومن الحاوي للماوردي أخذه إذ في الحاوي وأبطل العراقيون نكاحها في دار الحرب بناء على أصولهم في أن عقود دار الحرب باطلة وهي عندنا صحيحة

انتهى كلام الحاوي ولذلك لم يحكه صاحب البحر مع كثرة استقصائه للحاوي وإنما ذلك لكونه لا يستوعب غالبا إلا منقول المذهب دون مذاهب المخالفين

قال فخر الإسلام الشاشي في المستظهري اختلف في وجوب الإشهاد على الشهادة فقال بعض فقهاء العراق يجب ومذهب الشافعي أنه لا يجب على الشاهد أن يشهد على شهادته

قال القاضي أبو الحسن الماوردي أولى المذهبين عندي أن يعتبر بالحق المشهود به فإن كان مما ينتقل إلى الأعقاب كالموقف المؤبد لزمه الإشهاد على شهادته و أما الحقوق المعجلة فلا يلزم فيها

قال الشيخ الإمام وعندي أنه لو بنى على وجوب الإسجال على الحاكم فيماحكم وكتبه المحضر كان أشبه

انتهى

والشيخ الإمام المشار إليه فيمايظهر هو الشاشي كأن ناسخ الكتاب عبر عنه بذلك وعلى هذا أجر ابن الرفعة لم يفهم سواه فعزا النبأ إلى الشاشي

وفهم صاحب الذخائر أنه أبو إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه شيخ الشاشي لأن من عادة الشاشي أن يطلق عليه الشيخ الإمام

ولكن ليس الأمر كذلك هنا فيما أحسب وهذا من آفات النساخ يغيرون ألفاظ المصنفين فيوقعون خللا كبيرا وكان الواجب تبقية صورة خط المصنف على حالها

قال فخر الإسلام في كتابه العمدة المختصر المشهور إذا كان في صلاة الصبح ورفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية إنه يقنت بعد قوله ربناولك الحمد بتمامه وكذلك قال البغوي في التهذيب

وحكى ابن الرفعة عن النبدينجي أنه يقوله بعد الذكر الراتب

قال ابن الرفعة وهو سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد كما قال الماوردي وهذا يتقضى أنه لا يقول ما بعد ذلك

وقد ينازع في ذلك قول الشاشي والبغوي إنه يقوله بتمامه فظاهر التمام أنه يقول ما بعد ذلك ولم أجد في المسألة صريح نقل في الطرفين ويظهر أن يقال إنه يقول الذكر كله لا سيما على القول بأن الاعتدال ركن يطول سواء كان طويلا في نفسه أم قصيرا

وفي حلية الشاشي أنه إذا باع صبرة طعام بصبرة طعام مكايلة صاعا بصاع فخرجتا سواء أنا إن قلنا فيما إذا خرجتا متفاضلتين يبطل فها هنا وجهان

وتوقف الوالد في إثبات هذا الخلاف وقال أخشى أن يكون وهما والمجزوم به عند الأصحاب الصحة

قال صاحب البيان إذا أراد الرجل وطء امرأته فقالت أنا حائض ولم يعلم بحيضها فاختلف أصحابنا فمنهم من قال إن كانت فاسقة لم يقبل قولها وإن كانت عفيفية قبل قولها

وقال الشاشي إن كانت بحيث يمكن صدقها قبل وإن كانت فاسقة كما يقبل في العدة

انتهى

ولا فرق بين الزوجة والأمة قاله النووي في شرح المهذب

قال والمذهب الأول

وليس كما إذا علق طلاقها على حيضها حيث يقبل قولها في الحيض وإن كانت فاسقة

قال القاضي لأن الزوج مقصر في تعليقه بما لا يعرف إلا من جهتها

قلت لا ينبغي أن يدار الحكم هذا على فسقها وعدمه بل على ظنه صدقها وعدمه وإليه أشار في شرح المهذب فمتى اتهمها بالكذب وطئها لأصل الحل ومتى ظن صدقها وإن كانت في نفسها فاسقة ينبغي أن يحرم لأن مثل هذا لا يكذب فيه الحليلة حيث لا يظهر غرض وهو لا يعلم إلا من جهتها

ومن شعر الشاشي

إني وإن بعدت داري لمقترب ** منكم بمحض موالاة وإخلاص

ورب دان وإن دامت مودته ** أدنى إلى القلب منه النازح القاصي

وقال أبو القاسم بن السمرقندي سمعته يقول رأيت في النوم كأني أنشد

قد نادت الدنيا على نفسها ** لو كان في العالم من يسمع

كم واثق بالعمر أفنيته ** وجامع بددت ما يجمع

ومن شعره أيضا

لحا الله دهر سدتم فيه أهله ** وأفضى إليكم فيهم النهى والأمر

فلم تسعدوا إلا وقد أنحس الورى ** ولم ترأسوا إلا وقد خرف الدهر

إذا لم يكن نفع وضر لديكم ** فأنتم سواء والذي ضمه القبر

أما

لو قيل لي وهجير الصيف متقد ** وفي فؤادي جوى للحر يضطرم

أهم أحب إليك اليوم تبصرهم ** أم شربة من زلال الماء قلت هم

فإنهما ليساله وإنما رواهما عن غيره

606 محمد بن أحمد بن الحسين بن أبي بشر الخرقي

من أهل خرق إحدى قرى مرو

وهو الإمام أبو بكر المروزي

ولد بقرية خرق فيما ذكر صاحبه ابن السمعاني بعد السبعين وأربعمائة تقديرا

ورحل إلى نيسابور وتفقه بها فقها وأصولا وكلاما واشتهر بعلم الكلام

وسمع من أبي بكر بن خلف الشيرازي وجماعة

روى عنه ابن السمعاني وقال فقيه فاضل متكلم

عاد إلى قريته وكان يعظ في القرى وبقرية خرق

مات في شوال أو ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة

607 محمد بن أحمد بن عبد الله بن منصور التوثي المروزي المعروف بفقيه التوث

وهي قرية بمرو بضم التاء المثناة من فوق في آخرها ثاء مثلثة وربما جعلت المعجمة ذالا معجمة

ولد في حدود سنة ستين وأربعمائة

قال ابن السمعاني كان فقيها صالحا عفيفا متزهدا متقشفا

تفقه على الإمام عبد الرزاق الماخواني

وكتب الحديث الكثير

سمع جدي أبا المظفر وأبا الفرج السرخسي ومحمد بن عبد الرزاق الماخواني وغيرهم

كتبت عنه الأربعين للإمام أبي الفرج السرخسي وغيرها

توفي ليلة السبت الثاني عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وخمسمائة

محمد بن أحمد بن علي بن مجاهد الخلال أبو بكر

من أصحاب المزني

ذكره أبو عاصم العبادي

608 محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إسحاق بن الحسن ابن منصور بن معاوية الأصغر بن محمد بن عثمان وهو المنكوب ابن عنبسة الأصغر بن عتبة الأشراف بن عثمان بن عنبسة ابن أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموي

كذا أورد نسبه الحافظ أبو طاهر السلفي وابن السمعاني

هو الأديب الماهر المجمع على علمه وذكائه وقوة نفسه وكثرة تعففه

أبو المظفر الأبيوردي

قال ابن السمعاني أوحد عصره وفريد دهره في معرفة اللغة والأنساب وغير ذلك

أورد في شعره ما عجز عنه الأوائل من معان لم يسبق إليها وأليق ما وصف به بيت أبي العلاء المعري

وإني وان كنت الأخير زمانه ** لآت بما لم تستطعه الأوائل

وله تصانيف كثيرة منها تاريخ ابيوردونسا والمختلف والمؤتلف وطبقات العلم

هذا بعض كلام ابن السمعاني

وذكره عبد الغافر فقال فخر العرب أبو المظفر الأبيوردي الكوفني الرئيس الكاتب الأديب النسابة من مفاخر العصر وأفاضل الدهر

وأطال في مدحه

سمع أبو المظفر الحديث من إسماعيل بن مسعدة الأسماعيلي وأبي بكر بن خلف الشيرازي ومالك بن أحمد البانياسي وعبد القاهر الجرجاني النحوي

روى عنه السلفي وأبو بكر بن الخاضبة وأبو عامر العبدري

وتفقه على إمام الحرمين وامتدحه بقصائد بديعة

وأثنى عليه غير واحد بحسن العقيدة وجميل الطريقة وكمال الفضيلة حتى قال السلفي كان الأبيوردي والله من أهل الدين والخير والصلاح والفقه

قال لي والله ما نمت في بيت فيه كتاب الله أو حديث رسول الله احتراما لهما

قالوا إلا أنه كان ذا نفس أبية تحدثه بالخلافة وبأمور رفيعة فلذلك نسبت إلى نقص في العقل

قال ابن السمعاني سمعت غير واحد من شيوخي يقولون إنه إذا صلى يقول اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها ومن شعره الدال على قوة نفسه

يا من يساجلني وليس بمدرك ** شأوي وأين له جلالة منصبي

لا تتبعن فدون ما حاولته ** خرط القتادة وامتطاء الكوكب

والمجد يعلم أننا خير أبا ** فاسأله تعلم أي ذي حسب أبي

جدي معاوية الأغر سمعت به ** جرثومة من طينها خلق النبي

وورثته شرفا رفعت منارة ** فبنو أمية يفخرون به وبي

وترجمه الحافظ السلفي في جزء مفرد وعظمه كثيرا

وذكر أنه فوض إليه إشراف الممالك بخراسان كلها

وأحضر عند السلطان أبي شجاع محمد بن ملكشاة لتشخيصه وهو على سرير ملكه فارتعد ووقع ورفع ميتا

ولعل ذلك من الله مقابلة له لقوة نفسه

ومن شعره أيضا

تنكر لي دهري ولم يدر أنني ** أعز وأحدث الزمان تهون

فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ** وبت أريه الصبر كيف يكون

قال عبد الغافر حصلت له من السلطان مكانه ونعمة ثم كان يرشح من كلامه نوع تشبيب بالخلافة ودعوة إلى اتباع فضله وادعاء استحقاق الإمامة يبيض وسواس الشيطان في رأسه ويفرخ ويرفع الكبر بأنفه ويشمخ فاضطره الحال إلى مفارقة بغداد ورجع إلى همذان فأقام بها يدرس ويفيد ويصنف مدة

توفي مسموما بأصبهان في شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة

كتب إلى أحمد بن أبي طالب عن ابن النجار أن القاضي عبد الرحمن بن أحمد بن العمري حدثه عن أبي عامر محمد بن سعدون بن مرجي العبدري قال حدثنا أبو المظفر الأبيوردي من لفظه ببغداد في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني بجرجان أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي حدثنا أبو أحمد الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن علية عن عبد العزيز عن أنس قال قال رسول الله لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خير لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ‏)‏

609 محمد بن أحمد بن محمد بن الخليل بن أحمد أبو سعد الخليلي النوقاني

ولد في سنة سبع وستين وأربعمائة

وسمع أبا بكر بن خلف الشيرازي

روى عنه عبد الرحيم بن السمعاني

وقال توفي بنوقان في أواخر المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

610 محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر أبو عبد الله الكردرانخاسي من أهل خوارزم

تفقه بها ثم ارتحل إلى مرو

فتفقه على الشيخين أبي بكر السمعاني وإبراهيم المروروذي

وسمع الحديث من أبي بكر السمعاني

سمع منه صاحب الكافي وحدث عنه في تاريخ خوارزم وقال فيه الشيخ الفقيه الدين الورع

قال وأقام بقريته كردرانخاسية فكان هو العالم والواعظ والخطيب بها

وكان ثقة صالحا

توفي في شهر شوال سنة ثمان وخمسين وخمسمائة

611 محمد بن أحمد بن محمد بن الكرخي أبو طاهر المعروف بشرف القضاة

قال ابن السمعاني شافعي المذهب هو أحد نواب قاضي القضاة الزينبي ببغداد مرضي الطريقة في القضاء والأحكام وحسن المعاشرة ملح المجالسة

سمع أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي وأبا عبد الله الحسين بن علي بن أحمد البسري وغيرهما

سمع منه ابن السمعاني وقال سألته عن مولده فقال في سنة خمس وسبعين وأربعمائة

وتوفي في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين وخمسمائة

612 محمد بن أحمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن السمعاني أبو بكر بن أبي القاسم أبي المظفر

قال صاحب الكافي في تاريخ خوارزم شاب رفيع الشأن من صدور خراسان ومن أفراد الزمان بلطافة البيان وفصاحة اللسان عديم النظير في التذكير

دخل خوارزم مرتين

وكان يروي الأحاديث مسندة عن أبيه

وهو ابن عم الحافظ أبي سعد

قال صاحب الكافي سمعته يقول على المنبر احفظ إيمانك حفظ العمامة على رأسك لا تكن العمامة أعز عليك من إيمانك

أو كما قال فإنه ذكره بالفارسية وأنا ترجمته

وأنشد على رأس المنبر شعرا يقول

وقفت وقفة بباب الطاق ** قينة من مخدرات العراق

بنت عشر وأربع وثلاث ** هي حتف المتيم المشتاق

قلت من أنت يا خلوب فقالت ** أنا من لطف صنعة الخلاق

لا تعرض لنا فهذا بنان ** قد خضبناه من دم العشاق

613 محمد بن أحمد بن يحيى بن حيي أبو عبد الله العثماني الديباجي من ولد الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان

من أهل نابلس

مولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة ببيروت

تفقه على الفقيه نصر المقدسي

وسمع الحديث منه ومن الحسين بن علي الطبري بمكة ومن مكي بن عبد السلام المقدسي وجماعة

روى عنه يحيى بن اسعد بن بوش وإسماعيل بن أبي تراب القطان وغيرهما

وكان إماما زاهذا ورعا جامعا بين العلم والعمل مقدما في الفقه وعلم الكلام على مذهب الأشعري

قال يوسف الدمشقي كان الديباجي سيدنا في علم الأصول ومقدمنا في الزهد والسنة والمنقول

وعن الحافظ أبي الفضل بن ناصر ما رأيت من جمع له بين العفاف والورع في الوعظ كالديباجي وعن أبي الحسن سعد الله بن محمد بن علي المقري ما صعد كرسي وعظ فيما رأيناه لا أعلم ولا أعف ولا أروع من الشريف الديباجي

وقال الحافظ ابن عساكر كان يعقد المجلس في جامع الخليفة وبالمدرسة النظامية ويناظر في مسائل الخلاف نظرا حسنا ويفتي على مذهب الشافعي وله حرمة عند الخليفة وعند العامة لتصونه وتعففه ولزومه مسجده

توفي يوم الأحد ثامن عشري صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة

614 محمد بن أحمد السعيدي أبو بكر الخبازي الآشي

خطيب قرية آش وفقيهها

تفقه بمرو على محمد بن عبد الرزاق الماخواني

وبمرو الروذ على القاضي الحسين

قال صاحب الكافي توفي بقريته بانهدام جدار عليه سنة ثلاث وخمسمائة

615 محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرج أبو عبد الله بن الكيزاني المشهور في الديار المصرية بالعلم والزهد والتجسيم

سمع من أبي الحسن علي بن الحسين بن عمر الموصلي الفراء وأبي علي الحسن ابن محمد بن حسن الجيلي

روى عنه جماعات ولابن المفضل منه إجازة

وكان مشهور بالبدعة متظاهرا فيما يذكر بالتجسيم

دفن لما مات بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فأخرج ونبش ثم أعيد ثم أخرج الشيخ العالم الزاهد الخبوشاني رحمه الله عظامه وقال لا يدفن صديق وزنديق واستقر بمكانه المشهور بالقرافة

توفي في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة

ومن شعره

إن كنت لا بد المخالط للورى ** فاصبر فإن من الحجا أن تصبرا

وإذا لقوك بمنكر من فعلهم ** فتلق المعروف ذاك المنكرا

كالأرض تلقى فوقها أقذارها ** أبدا وتنبت ما يروق المنظرا

616 محمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد دأدأ أبو جعفر الجرباذقاني

فقيه فاضل محدث حافظ متدين كثير العبادة

سمع من أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ وأبي الفضل محمد بن عمر الأرموي وغيرهم

ولازم أبا الفضل محمد بن ناصر

مولده سنة سبع وخمسمائة

ومات سنة تسع وأربعين وخمسمائة

617 محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين بن القاسم العطاري الطوسي أبو منصور

الواعظ الملقب حفدة بفتح الحاء المهملة والفاء والدال المهملة

من أهل نيسابور وأصله من طوس

ولد سنة ست وثمانين وأربعمائة

وتفقه بطوس على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي

وبمرو على الإمام أبي بكر محمد بن منصور بن السمعاني

وبمر الروذ علي الحسين بن مسعود الفراء البغوي

وأتقن المذهب والأصول والخلاف

وكان من أئمة الدين وأعلام الفقهاء المشهورين

سمع الكثير من شيخه البغوي

وحدث عنه بشرح السنة ومعالم التنزيل

وسمع أيضا من أبي الفتيان عمر بن ابي الحسن الدهستاني وناصر بن أحمد ابن محمد العياضي وعبد الغفار بن محمد الشيرويي وغيرهم

روى عنه أبو المواهب بن صصري وأبو أحمد بن سكينة وعبد العزيز بن الأخضر وأبو المجد محمد بن الحسين القزويني والقاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن شداد وغيرهم

قال ابن النجار وكان قد أقام مدة بمرو يعظ ثم خرج منها إلى نيسابور فلما وقعت حادثة الغز بها في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سافر إلى العراق ومنها إلى أذربيجان ودخل بلاد الجزيرة واجتمع عليه الناس بسبب الوعظ وحدث بجميع البلاد التي دخلها وروى عنه أهلها ثم إنه سكن تبريز إلى حين وفاته

قلت أصح القولين أنه توفي بها سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وقيل سنة إحدى وسبعين

وقد وقفت له على أجوبة مسائل سأله إياها يوسف بن مقلد الدمشقي فقهية وصوفية

618 محمد بن أسعد بن محمد النوقاني أبو سعد

تفقه على الغزالي

وقتل في مشهد علي بن موسى الرضا في ذي القعدة سنة ست وخمسين وخمسمائة في واقعة الغز

وكان يلقب بالسديد

ترجمة ابن باطيش

619 محمد بن إسماعيل بن عبيد الله بن ودعة البقال أبو عبد الله

قال ابن النجار كان فقهيا فاضلا حسن المعرفة بالمذهب والخلاف مليح الكلام في النظر والجدل ورتب معيدا بالمدرسة النظامية

قال ثم إنه خرج عن بغداد متوجها إلى الشام وناظر الفقهاء في البلاد التي دخلها وظهر كلامه عليهم

قال ووصل إلى دمشق مريضا فأقام بها أياما وتوفي

قال وكان قد صنف كتابا مليحا في اللعب بالبندق وقسمه على تقسيم كتب الفقه على ألسنة الرماة فجاء حسنا في فنه وأظنه قصد به الإمام الناصر لدين الله

مات في النصف من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وكان شابا وكان والده حيا

620 محمد بن إسماعيل بن الحافظ أبي صالح أحمد بن عبد الملك النيسابوري المؤذن الإمام أبو عبد الله

فقيه مناظر كبير

ولد سنة ثمانين وأربعمائة

سمع أبا بكر بن خلف الشيرازي وعلي بن أحمد المديني

روى عنه ابن السمعاني وابنه عبد الرحيم وعبد الواحد بن عبد السلام بن سلطان البيع وأبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع وغيرهم

وكان قد انتقل به أبوه إلى كرمان فأقام بها

قال أبو الفرج بن الجوزي قدم إلى بغداد رسولا من صاحب كرمان في سنة ست وثلاثين وقدم رسولا إلى السلطان في سنة أربع وأربعين

وقال ابن النجار قدم إلى بغداد رسولا غير مرة

توفي بكرمان في ذي القعدة سنة سبع وأربعين وخمسمائة

621 محمد بن أميركا أبو عبد الله الجيلي

وقيل محمد بن أحمد بن أميركا

نزيل الدواليب على وادي مرو

سمع من أبي المظفر بن السمعاني وغيره

روى عنه عبد الرحيم بن السمعاني

ولد سنة سبعين وأربعمائة بمرو

وتوفي في نصف المحرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة

622 محمد بن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن الطائي أبو الحسن

من أهل طوس

ورد نيسابور

وتفقه على إمام الحرمين

وسافر إلى العراق والشام والحجاز والثغور

وسمع بها الحديث ورجع إلى نيسابور وسكنها إلى أن مات

سمع رزق الله التميمي ومالك بن أحمد البانياسي وأبا الخطاب بن البطر ونصر المقدسي والحسين بن علي الطبري وخلقا يطول ذكرهم

روى عنه أبو بكر بن السمعاني وأجاز لابنه أبي سعد الحافظ

وتوفي بعد استهلال جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وخمسمائة

ذكره ابن السمعاني ولم يذكره ابن النجار

623 محمد بن الحسن بن علي بن القاسم الشهرزوري أبو المحاسن

قاضي الرحبة ثم قاضي الموصل

ولد سنة عشرين وخمسمائة وحكم نحوا من ثلاثين سنة

كذا ذكره ابن باطيش

وذكر أنه مات سنة خمس وسبعين وخمسمائة

624 محمد بن الحسين بن علي بن بندار هو أبو العز المقري المعروف بالقلانسي

من أهل واسط

قرأ القرآن على جماعة

وتفقه علي أبي إسحاق الشيرازي

وسمع من أبي الحسين بن المهتدي وأبي الغنائم بن المأمون وأبي جعفر بن المسلمة وأبي الحسين بن النقور وجماعة

وعمر حتى قرأ عليه الناس الكثير وقصدوه من البلدان

حدث عنه ذاكر بن كامل الحذاء وغيره

توفي في شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة

625 محمد بن الحسين بن عمر أبو بكر الأرموي

قدم بغداد سنة خمس وستين وأربعمائة

وتفقه علي الشيخ أبي إسحاق

وسمع من أبي الحسين بن النقور وغيره

وحدث باليسير

روى عنه أبو معمر الأنصاري في معجم شيوخه وابن السمعاني في ذيله

توفي في المحرم سنة سبع وثلاثين وخمسمائة

ودفن بالكرخ عند الفقهاء ابن سريج وغيره

626 محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن يعقوب المروزي الزاغولي

وزاغول بفتح الزاي بعدها ألف يتلوها غين معجمة مضمومة بعدها واو في آخرها اللام قرية من قرى خراسان

تفقه بمرو على الإمام أبي بكر محمد بن الإمام أبي المظفر السمعاني والموفق بن عبد الكريم الهروي

وقال أبو سعد وكان صالحا فاضلا سديد السيرة خشن العيش قانعا باليسير عارفا بالحديث وطرقه اشتغل بطلبه وجمعه طول عمره

ونظر في الأدب والكتب

وجمع مجموعات لعلها بلغت أربعمائة مجلدة سماها قيد الأوابد جمع فيها العلوم ورتبها

وكان قد سافر إلى هراة ونيسابور وسمع بهما الحديث

سمع بهراة أبا الفتح نصر بن أحمد بن إبراهيم الحنفي وأبا عبد الله عيسى بن شعيب بن إسحاق السجزي وأبا سعد محمد بن أبي الربيع الجيلي

وبمرو الروذ أبا محمد عبد الله بن الحسن الطبسي الحافظ والحسين بن مسعود البغوي الفراء

وبمرو الإمام والدي وأبا سعيد محمد بن علي الدهان وجماعة كثيرة

كتبت عنه وسمعت بقراءته وإفادته الكثير علىالشيوخ

وكان حريصا على طلب العلم ونسخه مع كبر السن

سألته عن مولده غير مرة فقال لا أحق

وولده بهذه القرية أعني زاغول قبل سنة ثمانين وأربعمائة

انتهى

ومات في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة

627 محمد بن الحسين بن منصور أبو بكر الفقيه

من أهل البصرة

حدث عن أبي الحسن بن أحمد الحداد الأصبهاني وغيره

قال أبو بكر المارستاني كان إمام الشافعية بالبصرة فقيها مفتيا

توفي بالبصرة في ذي الحجة سنة ثمان وستين وخمسمائة

628 محمد بن الحسين السمنجاني

بكسر السين المهملة والميم وسكون النون وبالجيم بلدة من وراء بلخ

أبو جعفر

تفقه على أبي سهل الأبيوردي ببخارى والقاضي الحسين بمرو الروذ وأملى ببلخ

قال ابن السمعاني حدثني عنه جماعة بخراسان وما وراء النهر

وتوفي سنة أربع وخمسمائة ببلخ

629 محمد بن الحسين أبو بكر

القاضي المعروف بفخر القضاة

يضرب به المثل في علم النظر

مات يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وخمسمائة

ترجمة ابن باطيش

630 محمد بن حمد بن خلف بن الحسين بن أبي المنى أبو بكر البندنيجي

المعروف بحنفش

سمع من أبي محمد الصرييفني وأبي الحسين بن النقور وغيرهما

روى عنه ابن السمعاني وابن عساكر وغيرهما

تفقه على المتولى

ومات سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة

631 محمد بن حمزة بن علي بن الحسين بن الموازيني أبو المعالي ابن الشيخ أبي الحسن السلمي الدمشقي المعدل

تفقه على جمال الإسلام

وسمع ببغداد من أبي القاسم بن بيان

وبدمشق من هبة الله بن الأكفاني

روى عنه أبو القاسم بن صصري وزين الأمناء أبو البركات

قال الحافظ كان متجملا حسن الاعتقاد

باع أملاكه وأنفقها على نفسه

مات في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وخمسمائة

632 محمد بن خلف بن سعد أبو شاكر التكريتي

633 محمد بن داود بن رضوان الإيلاقي أبو عبد الله

تفقه على البغوي بمرو الروذ

وعلى محمد بن يحيى بنيسابور

وسمع بها من أبي عبد الله الفراوي

قال ابن السمعاني قدم علينا مرو وأقام عندي في مدرستي مدة وسمعت منه أحاديث

وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة

634 محمد بن سعد بن محمد بن محمود بن محمد بن سعيد بن الحسن بن عمر بن محمد ابن سعد المشاط أبو جعفر الواعظ

من أهل الري

حدث ببغداد عن أبيه أبي الفضائل بيسير

سمع منه القاضي أبو المحاسن عمر بن علي بن الخضر القرشي

وذكر أنه كان أحد الأئمة القائمين بعلم الأصول الكلام على مذهب الأشعري

مولده في عاشر صفر سنة ست وخمسمائة

635 محمد بن سعيد بن محمد بن عمر بن الحسين أبو سعد بن الرزاز

ولد في ثاني المحرم سنة إحدى وخمسمائة

وتفقه على والده

وسمع أبا علي بن نبهان وأبا لقاسم بن بيان الرزاز وهبة الله بن محمد بن الحصين وزاهر بن طاهر الشحامي وغيرهم

قال ابن النجار روى لنا عنه أبو نصر عمر بن محمد بن أحمد الصوفي

قال ابن النجار ورتب ناظرا في ديوان التركات الحشرية فلم تحمد طريقته وذمت أفعاله وأجمع الناس على سوء سيرته حتى صار المثل يضرب بهفي الظلم والجور ومن شعره

ومن لم يكن في الدهر ألقاه مسعدا ** ولم يلف يوم الحشر وهو شفيع

ولم يك خلا في المودة مخلصا ** أراه إذا أدعوه وهو مطيع

وكنت إذا ما السر أبداه حافظا ** ومخفي أسراري لديه تشيع

وأصبحت لا أرجو جزيل نواله ** ولا لي مرعى من نداه مريع

فلا زال يوليني الصدود مع القلي ** ويا ليت حبل الوصل منه قطيع

وقال أيضا

طمع الرجال ذوو الغنى أن يسعدوا ** في فضل ما ادخروا من الأموال

كذبتهم الأطماع حتى إنهم ** أنسوا بها إذ أوعدت بمحال

أمل يقربه الرجاء إلى المنى ** كم تسخر الآجال بالآمال

توفي يوم الخميس ثالث ذي الحجة سنة ا ثنتين وسبعين وخمسمائة

636 محمد بن سليمان بن الحسن بن عمرو أبو عبد الله الفنديني

بضم الفاء وسكون النون وكسر الدال المهملة وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها النون نسبة إلى فندين قرية بمرو

قال ابن السمعاني كان فقيها زاهدا ورعا عابدا متهجدا تاركا للتكلف

تفقه على الإمام عبد الرحمن الزاز وسمع منه ومن أبي بكر محمد بن علي بن حامد الشاشي وأبي المظفر السمعاني

روى عنه عبد الرحيم بن السمعاني

مولده سنة اثنتين وأربعمائة

وتوفي بفندين في عشرين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة

637 محمد بن طرخان بن يلتكين بن بجكم التركي أبو بكر الشيخ الفقيه الزاهد الورع

مولده سنة ست وأربعين وأربعمائة

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي

وقرأ الفرائض علي أبي حكيم الخبري والكلام على أبي عبد الله القيرواني

وسمع من أبي جعفر بن المسلمة وأبي الحسين بن المهتدي وأبي الغنائم بن المأمون وأبي الحسين بن النقور وخلق

وحدث بيسير لأنه مات في الكهولة

وروى عنه السلفي وأبو بكر بن العربي الأندلسي وأبو مسعود عبد الجليل كوتاه وجماعة

وكان يقال إنه مستجاب الدعوة

مات في ثامن عشر صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة

638 محمد بن عباس بن أرسلان الخوارزمي أبو محمد بن أبي الفضل العباسي أبو صاحب الكافي

أطنب ولده في وصفه في تاريخ خوارزم

وقال قرأ الأصول والفروع على الإمام أبي إبراهيم إسماعيل بن الحسين الدرغاني

مهر في الأصول وصار فريد الزمان في انطلاق اللسان وحسن البيان وانتزاع البرهان من الأصول العقلية والقرآن وأضحى نادرة الأيام في إفحام فحول المجاهدين وقت الخصام بأقطع الإلزام

وقرأ شرح المهذب لأبي بكر الصيدلاني في مجلدات وأتى على حفظ جميعه فربما كان يسأل عن مائة مسألة في مجلسه في مواضع مختلفة ويجيب عنها على الفور من غير تردد ولا تخبط ويذكر ما فيها من القولين والتنبيه على الجوابين ويذكر عللها

قال وحفظ تفسير الثعلبي جميعه فكان إذا سئل في مجلسه عن عشر آيات في مواضع متفاوتة ذكر تفسيرها باختلاف أقوال المفسرين من غير غلط ولا خطأ

ثم قال توفي والدي يوم الإربعاء رابع صفر سنة ثلاث وخمسمائة وهو ابن أربعين وأشهرا

639 محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأرغياني أبو نصر

ورد نيسابور وتفقه على إمام الحرمين

قال ابن السمعاني وبرع في الفقه وكان إماما متنسكا كثير العبادة حسن السيرة مشتغلا بنفسه

وكان مفتى أصحابنا في وقته

سمع أبا الحسن الواحدي وأبا بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي وأبا علي بن نبهان الكاتب وخلقا

روى عنه جماعة منهم أبو سعد بن السمعاني بالإجازة

مولده سنة أربع وخمسين وأربعمائة

وتوفي في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة

ودفن بظاهر نيسابور

640 محمد بن عبد الله بن تومرت أبو عبد الله الملقب بالمهدي المصمودي الهرغي المغربي

صاحب دعوة السلطان عبد المؤمن ملك المغرب

كان رجلا صالحا زاهدا ورعا فقيها

أصله من جبل السوس من أقصى المغرب وهناك نشأ

ثم رحل إلى المشرق لطلب العلم

فتفقه على الغزالي وإليكا أبي الحسن الهراسي

وكان أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر خشن العيش كثير العبادة شجاعا بطلا قوي النفس صادق الهمة فصيح اللسان كثير الصبر على الأذى

يعرف الفقه على مذهب الشافعي وينصر الكلام على مذهب الأشعري

وكان كثير الأسفار ولا يستصحب إلا عصا وركوة

ولا يصبر عن النهى عن المنكر وأوذي بذلك مرات

دخل إلى مصر وبالغ في الإنكار فبالغوا في أذاه وطرده

وكان ربما أوهم أن به جنونا وذلك عند خشية القتل

ثم خرج إلى الإسكندرية فأقام بها مدة ثم ركب البحر ومضى إلى بلاده

وكان قد رأى في منامه وهو بالمشرق كأنه قد شرب ماء البحر جميعه كرتين فلما ركب السفينة شرع ينكر وألزمهم بالصلاة والتلاوة فلما انتهى إلى المهدية وصاحبها يومئذ يحيى بن تميم الصنهاجي وذلك في سنة خمس وخمسمائة نزل بها في مسجد معلق على الطريق وكان يجلس في طاقته فلا يرى منكرا من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل وكسره فتسامع به الناس وجاءوا إليه وقرءوا عليه كتبا في أصول الدين

وبلغ خبره الأمير يحيى فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء فلما رأى سمته وسمع كلامه أكرمه وسأله الدعاء فقال له أصلحك الله لرعيتك

ثم نزح عن البلد إلى بجاية فأقام بها ينكر كدأبة فأخرج منها إلى قرية ملالة فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي فيقال إن ابن تومرت كان قد وقع بكتاب فيه صفة عبد المؤمن واسمه

وصفته رجل يظهر بالمغرب الأقصى من ذرية النبي يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى ت ى ن م ل ويجاوز وقته المائة الخامسة

فالقى في ذهنه أنه هو وأن الله ألقى في روعه ذلك كله من غير أن يجده في كتاب فقد كان رجلا صالحا متمكنا

ثم إنه أخذ يتطلب صفة عبد المؤمن فرأى في الطريق شابا قد بلغ أشده على الصفة التي ألقيت في روعه فقال يا شاب ما اسمك

فقال عبد المؤمن

فقال الله أكبر أنت بغيتي فأين مقصدك

قال المشرق لطلب العلم

قال قد وجدت علما وشرفا اصحبني تنله

ثم نظر في حليته فوافقته فألقى إليه سره

ثم اجتمع على ابن تومرت جمع كثير لما رأوه من قوته في الحق وصبره على طلب المعيشة وورعه وعلمه

فدخل مراكش وملكها علي بن يوسف بن تاشفين وكان حليما متواضعا فأخذ ابن تومرت في الإنكار على عادته حتى أنكر على ابنه الملك وذلك في قصة طويلة فبلغ خبره الملك وذكر أنه تحدث في تغيير الدولة فتكلم مالك بن وهيب الأندلسي الفقيه في أمره وقال نخاف من فتح باب يعسر علينا سده

وكان ابن تومرت وأصحابه مقيمين بمسجد خراب بظاهر البلد فأحضروا في محفل من العلماء فقال الملك سلوا هذا ما يبغي

فكلموه وقالوا ما الذي يذكر عنك من القول في حق هذا الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق

فقال أماما نقل عني فقد قلته ولى من ورائه أقوال

وكان من قول القاضي في مساءلة ابن تومرت أن الملك يؤثر طاعة الله على هواه وينقاد إلى الحق

فقال ابن تومرت فأما قولك إنه يوثر طاعة الله على هواه وينقاد إلى الحق فقد حضر اعتبار صحة هذا القول عليه ليعلم بتعريه عن هذه الصفة أنه مغرور بما تقولون له وتطرونه به مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع جهارا وتمشي الخنازير بين المسلمين وتؤخذ أموال اليتامى وعدد كثيرا من ذلك حتى ذرفت عينا الملك وأطرق حياء

فقال مالك بن وهيب إن عندي نصيحة إن قبلها الملك حمد عاقبتها وإن تركها لم آمن عليه

فقال وما هي

قال إني خائف عليك من هذا الرجل وأرى أن تسجنه وتسجن أصحابه وتنفق عليهم كل يوم دينارا وإلا أنفقت عليه خزائنك

فوافقه الملك

فقال الوزير أيها الملك يقبح أن تبكي من موعظة هذا ثم تسيء إليه في مجلس واحد وأن يظهر منك الخوف مع عظم ملكك وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه

فانقاد الملك لكلام الوزير وصرفه وسأله الدعاء

فقيل إن ابن تومرت لما خرج من عنده لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه

فقيل له نراك تأدبت مع الملك

فقال أردت ألا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت

ولما خرج قال لأصحابه لا مقام لنا بمراكش مع وجود مالك بن وهيب وإن لنا بأغمات أخا في الله فنقصده فلن نعدم منه رأيا ودعاء وهو الفقيه عبد الحق بن إبراهيم المصمودي

فسافر في جماعته إليه فأنزلهم فبث إليه سره وما اتفق له

فقال هذا الموضع لا يحميكم وإن أحصن الأماكن المجاوة لهذا البلد تينملل

وهو مسيرة يوم في هذا الجبل فانقطعوا فيه مدة ريثما ينسى ذكركم

فلما سمع ابن تومرت بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في الكتاب فقصده مع أصحابه

فلما أتوه ورآهم أهل ذلك المكان على تلك الصورة فعلموا أنهم طلاب علم فتلقوهم وأكرموهم وأنزلوهم

وبلغ الملك سفرهم فسر بذلك

وتسامع أهل الجبل بوصول ابن تومرت فجاؤوه من النواحي يتبركون به

وكان كل من أتاه استدناه وعرض عليه ما في نفسه فإن أجابه أضافه إلى خواصه وإن خالفه أعرض عنه

وكثرت أتباعه

ومن كلام عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي صاحب كتاب المعجب أن ابن تومرت لما ركب البحر وأخذ ينكر على أهل المركب ما يراه من المناكر ألقوه في البحر وأقام نصف يوم يجري في الماء مع السفينة ولم يغرق فأنزلوه إليه من أطلعه وعظموه إلى أن نزل ببجاية ووعظ بها ودرس وحصل له القبول فأمره صاحبها بالخروج منهاخوفا منه فخرج ووقع بعيد المؤمن وكان بارعا في خط الرمل ووقع بجفر فيما قيل وصحبهما من ملالة عبد الواحد المشرقي فتوجه الثلاثة إلى أقصى المغرب

وقيل إنه لقي عبد المؤمن ببلاد متيجة فرآه يعلم الصبيان فأسر إليه وعرفه بالعلامات

وكان عبد المؤمن قد رأى رؤيا وهي أنه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صحفة قال ثم زاد أكلي على أكله ثم اختطفت الصحفة منه فقصصتها علىعابر فقال هذه لا ينبغي أن تكون لك إنما هي لرجل ثائر يثور على أمير المسلمين إلى أن يغلب على بلاده

وسار ابن تومرت إلى أن نزل في مسجد لظاهر تلمسان وكان قد وضع له هيبة في النفوس وكان طويل الصمت كثير الانقباض إذا انفصل عن مجلس العلم لا يكاد يتكلم

أخبرني شيخ عن رجل من الصالحين كان معتكفا في ذلك المسجد أن ابن تومرت خرج ليلة فقال أين فلان

قالوا مسجون

فمضى من وقته ومعه رجل حتى أتى باب المدينة فدق على البواب دقا عنيفا ففتح له بسرعة فدخل حتى أتى الحبس وابتدر إليه السجانون يتمسحون به ونادى يا فلان

فأجاب فقال اخرج فخرج والسجانون باهتون لا يمنعونه وخرج به حتى أتى المسجد

وكانت هذه عادته في كل ما يريده لا يتعذر عليه قدسخرت له الرجال

وعظم شأنه بتلمسان إلى أن انفصل عنها وقد استحوذ على قلوب كبرائها فأتى فاس فأظهر الأمر بالمعروف وكان جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريقة الأشعرية

وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه فجمع والي فاس الفقهاء له فناظرهم فظهر عليهم لأنه وجد جوا خاليا وناسا لا علم لهم بالكلام فأشاروا على المتولي بإخراجه فسار إلى مراكش وكتبوه بخبره إلى ابن تاشفين فجمع له الفقهاء فلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إلا مالك ابن وهيب وكان متفننا قد نظر في الفلسفة فلما سمع كلامه استشعر حدته وذكاءه فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقتله وقال هذا لا تؤمن غائلته وإن وقع في بلاد المصامدة قوى شره

فتوقف عن قتله دينا فأشار عليه بحبسه

فقال غلام أسجن مؤمنالم يتعين لنا عليه حق ولكن يخرج عنا

فخرج هو وأصحابه إلى السوس ونزل بتينملل

ومن هذا الموضع قام أمره وبه قبره

فلما نزله اجتمع إليه وجوه المصامدة فشرع في بث العلم والدعاء إلى الخير وكتم أمره وصنف له عقيدة بلسانهم وعظم في أعينهم وأحبته قلوبهم

فلما استوثق منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونهاهم عن سفك الدماء

فأقاموا على ذلك مدة وأمر رجالا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب الدعوة واستمالة رؤساء القبائل

وأخذ يذكر المهدي ويشوق إليه وجمع الأحاديث التي جاءت في فضله

فلما قرر عندهم عظمة المهدي ونسبه ونعته ادعى ذلك لنفسه وقال أنا محمد ابن عبد الله وسرد له نسبا إلى علي عليه السلام وصرح بدعوى العصمة لنفسه وأنه المهدي المعصوم وبسط يده للمبايعة فبايعوه

فقال أبايعكم على ما بايع عليه أصحاب رسول الله

ثم صنف لهم تصانيف في العلم منها كتاب سماه أعز ما يطلب وعقائد على مذهب الأشعري في أكثر المسائل إلا في إثبات الصفات فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها

وكان يبطن شيئا من التشيع

ورتب أصحابه طبقات فجعل منهم العشرة ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

641 محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي أبو الفضل بن أبي محمد الشهرزوري الموصلي قاضي القضاة كمال الدين

ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة

وتفقه ببغداد على أسعد الميهني

وسمع من أبي طالب الزينبي وأبي البركات بن خميس وجده لأمه علي بن أحمد ابن طوق وغيرهم

روى عنه أبو المواهب بن صصرى وأخوه أبو القاسم ابن صصرى والشيخ الموفق ابن قدامة وآخرون

ولى قضاء الموصل وكان يتردد بينها وبين بغداد رسولا من صاحبها إلى الخليفة

ثم قدم الشام وافدا على نور الدين فبالغ في إكرامه وولاه قضاء دمشق ونظر الأوقاف ونظر أموال السلطان وغير ذلك فاستناب ابنه القاضي أبا حامد بحلب وابن أخيه أبا القاسم بحماة وابن أخيه الآخر بحمص

وكان فقهيا أصوليا أديبا شاعرا ظريفا ذا أفضال

وقف أوقافا كثيرة منها مدرسة بالموصل ومدرسة بنصيبين ورباطا بمدينة النبي

وتمكن في الأيام النورية تمكنا بالغا فلما تملك السلطان صلاح الدين أقره على ما كان عليه ونال ما لم ينله أحد من الفقهاء من التقدم ونفاذ الكلمة

ولما قدم صلاح الدين دمشق سنة سبعين لأجل أخذها نزل بدار العقيقي وتعسرت عليه القلعة أياما مشى بنفسه إلى دار قاضي القضاة كمال الدين زائرا مستشيرا فتلقاه وجالسه وباسطه وقال طب نفسا وقر عينا فالأمر أمرك والبلد بلدك

وفي هذا من الدلالة على جلالة قدر القاضي ما لا يخفى

وكان يهب الألف دينار فما فوقها

وهو الذي وقف الحصة من قرية الهامة على المقادسة

وفيما أحفظه من محاسن الثلاثة السلطان صلاح الدين والقاضي الفاضل وقاضي القضاة كمال الدين أن السلطان لما جاء إلى الشام كتبت قصص كثيرة في كمال الدين ومرافعات شتى ونسب إلى أمور مما جرت عادة المرافعين بنسبة الحكام إليها

وقيل إن القاضي الفاضل كان يكره القاضي كمال الدين فأدى القصص إلى السلطان في كمال الدين في أثناء الطريق فلم يصل السلطان إلى الكسوة إلأ وقد حصل عنده من كمال الدين شيء مع ما قيل إنه كان لا يحبه من أيام نور الدين

فاجتمع أصحاب كمال الدين إليه وأشاروا عليه بالخروج لتلقي السلطان فأبى جريا على ما ألفه في أيام نور الدين من تردد الناس إليه وعدم تردده إلى الناس

فلما كان ليلة دخول السلطان دمشق تحزب أصحاب كمال الدين عليه وقالوا هذا السلطان من الأصل لا يحبك ومدبر دولته القاضي الفاضل كذلك وأعداؤك قد تحزبوا عليك وما كنت تعرفه من الرفعة قد زال بزوال دولة نور الدين والسلطان بكرة غد يدخل البلد وقد دخل القاضي الفاضل البلد الليلة ونرى أن تمشي إليه

فأظهر تألما كثيرا لذلك فألزم وربما حلف عليه

فمضى ومعه اثنان أحدهما ولده والآخر بعض من أشار عليه وفي ذهنه أنه من

حين يقبل على دار القاضي الفاضل يخرج لتلقيه فقعد على الباب زمانا طويلا ليؤذن له

فأما الرجل الذي كان معه وأشار عليه فإنه هرب حياء من القاضي كمال الدين وصار كمال الدين وولده

فخرج الطواشي وذكر أن الفاضل نائم

فقام كمال الدين وعاد إلى دار في أسوأ حال

وسرى القاضي الفاضل في أثناء الليل لتلقي صلاح الدين وجاراه الكلام حتى انتهى إلى ذكر كمال الدين فقال ياخوند هذا رجل معظم في العلم والسؤدد وأفعال نور الدين عند الناس مسددة وكان منها تعظيم هذا الرجل وغالب ما ينسب إليه كذب وأما ما ذكر من كثرة دخله فهو وإن كثر دون كثير من أمراء المملكة ولعله أحق ببيت المال وأمواله من كثير منهم فالذي أراه تعظيمه وكذا وكذا

وعاد إلى البلد مصبحا قبل دخول صلاح الدين وتوجه إلى دار كمال الدين فجلس على الباب وطلب الإذن

فلما دخل الخادم ليستأذن كمال الدين عليه مضى ولم يلبث علما منه بأن كمال الدين سيجازيه على عدم خروجه له ولا يخرج لقوة نفس كمال الدين فكان كذلك دخل الخادم إلى كمال الدين فاعتل بعلة ولم يخرج فخرج الخادم فلم يجد الفاضل

ثم لما عبر السلطان البلد وبدأ بالجامع فصلى فيه قيل إن الفاضل أخذه من الجامع وجاء به إلى دار كمال الدين وصارت له اليد البيضاء عند كمال الدين بهذه الواقعة وتصادقا

فإما أن يكون صلاح الدين توجه إلى بيت كمال الدين مرتين مرة أول قدومه وهي هذه ومرة بسبب القلعة وإما أن يكون مرة واحدة وهو الأقرب

ومن شعر كمال الدين

وجاءوا عشاء يهرعون وقد بدا ** بجسمي من داء الصبابة ألوان

فقالوا وكل معظم بعض ما رأى ** أصابتك عين قلت عين وأجفان

وقال أيضا

ولي كتائب أنفاس أجهزها ** إلى جنابك إلا أنها كتب

ولي أحاديث من نفسي أسر بها ** إذا ذكرتك إلا أنها كذب

توفي في سادس المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة

642 محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن يحيى بن أسد ابن نصر الشيرازي المعروف بابن فوران

الشيخ أبو الفتح

ولد في شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة

قال ابن السمعاني في التحبير وهو من الري وأصله من شيراز وسكن آمل طبرستان وكان فقيها واعظا شاعرا مليح الشعر

سمع بالري أبا الفتح محمد بن محمد بن علي الفراوي الواعظ وغيره

كتبت عنه بآمل شيئا يسيرا من شعره

توفي بآمل طبرستان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة

643 محمد بن عبد الله بن محمد بن عموية أبو جعفر السهروردي

أخو الشيخ أبي النجيب

تفقه علي أسعد الميهني

قال يوسف الدمشقي كان له حظ وافر من العلم وكان حسن الوعظ وتولى قضاء شهرزور وقتل بها في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة

644 محمد بن عبد الله بن أبي صالح البسطامي أبو علي المعروف بإمام بغداد

تفقه علي إلكيا الهراسي

ورحل إلى خراسان واستوطنها

قال ابن السمعاني كان فقيها فاضلا مناظرا وشاعرا مجودا

قال وسمع من أبي القاسم بن بيان وأبي الحسن بن العلاف وأبي علي بن نبهان وغيرهم

وروى عنه ابن السمعاني وقال إنه سأله عن مولده فقال ببغداد في سنة ست وثمانين وأربعمائة

وتوفي ببلخ في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

ومن شعره

إذا كنت في دار القناعة ثاويا ** فذلك كنز في يديك عتيد

وإن ساءك الآتي بما لا تريده ** فذلك هم لا يزال يزيد

645 محمد عبد الله بن أبي الحسن أبو جعفر الصائغي المروزي المعروف بالسديد

ولد في حدود سنة خمسين وأربعمائة

ومات في سنة ثلاثين وخمسمائة في صفر

ترجمه ابن باطيش

646 محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الإمام أبو الفتح البنجديهي الحمدويني المروزي الفقيه

تفقه على أبي بكر محمد بن ابي المظفر السمعاني

وسمع من إسماعيل بن أحمد البيهقي وهبة الله بن عبد الوارث الحافظ وغيرهما

سمع منه عبد الرحيم بن السمعاني

مولده سنة بضع وستين وأربعمائة

ومات في عشر الخمسين وخمسمائة

647 محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن أبو طالب الكنجروذي النيسابوري

سمع ابا الحسن أحمد بن عبد الرحيم الإسماعيلي وأبا إسحاق الشيرازي ومحمد ابن إسماعيل التفليسي وغيرهم

ولد سنة اثنتين وستين وأربعمائة

روى عنه ابن السمعاني وابنه عبد الرحيم

وقال توفي في خامس شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

648 محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن أبي توبة أبو الفتح الكشميهني

الخطيب شيخ الصوفية بمرو

مولده إما سنة إحدى وستين أو اثنتين وستين وأربعمائة

وهو آخر من روى في الدنيا عن أبي الخيرمحمد بن أبي عمران سمع منه صحيح البخاري

وسمع أيضا من أبي المظفر بن السمعاني وهبة الله بن عبد الوارث وغيرهما

وتفقه على أبي المظفر بن السمعاني

وحدث بالكثير

روى عنه أبو سعد بن السمعاني وابنه عبد الرحيم بن أبي سعد ومسعود بن محمود المنيعي وشريفة بنت أحمد بن علي الغازي وغيرهم

قال أبو سعد كان عالما حسن السيرة جميل الأمر سخيا مكرما للغرباء

توفي في الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

649 محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف الخلوقي المروزي

إمام عارف بالمذهب

سمع أبا الخير الصفار ومحمد بن الحسن المهر بندقشايي وجماعة

650 محمد بن عبد الرحمن الحضرمي

صاحب كتاب الإكمال لما وقع في التنبيه من الإشكال والإجمال

651 محمد بن عبد العزيز

652 محمد بن عبد الكريم بن أحمد بن عبد الكريم بن أحمد بن طاهر الوزان أبو عبد الله بن أبي سعد بن أبي العباس بن أبي سعد

من أهل الري

رئيسها وابن رؤسائها والمقدم على سائر الطوائف بها

كان من كبار الفقهاء على مذهب الشافعي وذا مكانة رفيعة عند الملوك

ومن شعره

لكلب عقور أسود اللون حالك ** على صدر سوداء الذوائب كاعب

أحب إليها من معانقة الذي ** له لحية بيضاء فوق الترائب

توفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ومولده سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة هذا مختصر من تاريخ ابن النجار

لقد فاق في الآفاق كل موفق ** أفاق بها من سكرها صحابها

فسل جامع الأموال فيها بحرصه ** أخلفها من بعده أم سرى بها

هي الآل فاحذرها وذرها لأهلها ** وما الآل إلا لمعة من سرابها

وكم أسد ساد البرايا ببره ** ولو نابها خطب إذا ما وني بها

فأصبح فيها عبرة لأولى النهى ** بمخلبها قد مزقته ونابها

وفي كتاب الطبقات الوسطى والصغرى

محمد بن عبد الكريم بن أحمد بن طاهر الوزان

لقي أبا إسحاق الشيرازي

وتفقه على والده ثم على أبي بكر الخجندي بأصبهان

وسمع ببغداد علي ابن النقور

ومات في حدود سنة خمس وعشرين وخمسمائة بالري

وهذا مختصر من كلام ابن السمعاني

ولم يذكره ابن النجار وإنما ذكر من صدرنا الترجمة باسمه وعندي أن هذا جد ذاك فيكون صاحب الترجمة محمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم لا محمد بن عبد الكريم ابن أحمد ولكن وقع في تاريخ ابن النجار أحمد موضع محمد فليحرر ذلك

والحاصل أنهما فقيهان ترجم المتأخر منهما ابن النجار ولم يترجم المتقدم

وعكس ابن السمعاني

وللمتأخر منهما شرح على وجيز الغزالبي

653 محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتح المعروف بالشهر ستاني

صاحب كتاب الملل والنحل وهو عندي خير كتاب صنف في هذا الكتاب ومصنف ابن حزم وإن كان أبسط منه إلا أنه مبدد ليس له نظام ثم فيه من الحط على أئمة السنة ونسبة الأشاعرة إلى ما هم بريؤون منه ما يكثر تعداده ثم ابن حزم نفسه لا يدري علم الكلام حق الدراية على طريق أهله

وللشهر ستاني أيضا كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام وغيرهما

كان إماما مبرزا مقدما في علم الكلام والنظر

برع في الفقه والأصول والكلام

وتفقه على أحمد الخوافي

وأخذ أصول الكلام على الأستاذ أبي نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري

وقرأ الكلام أيضا على الأستاذ أبي القاسم الأنصاري

قال ابن السمعاني ورد بغداد في سنة عشر وخمسمائة وأقام بها ثلاث سنين وكان بعظ بها ويظهر له قبول عند العوام

وقد سمع بنيسابور من أبي الحسن علي بن أحمد المديني وغيره

سألته عن مولده فقال سنة تسع وسبعين وأربعمائة

ومات سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

هذا كلام ابن السمعاني في الذيل وقد حكاه ابن الصلاح في الطبقات ووقفت على الذيل وعندي منه نسختان فلم أجد في الترجمة زيادة على ما حكيت إلا أنه روى عنه حديثا وحكايتين مسندتين وذكر أنه سمعه يقول في المذاكرة سئلت ببغداد في المجلس عن موسى فقلت التفت موسى يمينا ويسار فما رأى من يستأنس به ولا جارا فآنس من جانب الطور نارا

خرجنا نبتغي مكة ** حجاجا وعمارا

فلما بلغ الحيرة ** حادى جملي حارا

فصادفنا بها ديرا ** ورهبانا وخمارا

هذا ملخص ما في ذيل ابن السمعاني

وفي تاريخ شيخنا الذهبي أن ابن السمعاني ذكر أنه كان متهما بالميل إلى أهل القلاع يعني الإسماعيلية والدعوة إليهم والنصرة لطاماتهم وأنه قال في التجير إنه متهم بالإلحاد والميل إليهم غال في التشيع

انتهى مختصرا

فأما الذيل فلا شيء فيه من ذلك وإنما ذلك في التحبير وما أدري من أين ذلك لابن السمعاني فإن تصانيف أبي الفتح دالة على خلاف ذلك

ويقع لي هذا دس على ابن السمعاني في كتابة التحبير وإلا فلم لم يذكره في الذيل لكن قريب منه قول صاحب الكافي لولا تخبطه في الاعتقاد وميله إلى أهل الزيغ والإلحاد لكان هو الإمام في الإسلام

وأطال في النيل منه

وقال كانت بيننا محاورات ومفاوضات فكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم

هذا كلام الخوارزمي

654 محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين القزويني أبو الإمام الرافعي

كان إماما فاضلا

روى عن أبي البركات الفراوي وعبد الخالق الشحامي وسعد الخير محمد بن طراد الزينبي وغيرهم

وتفقه بقزوين على ملكداد بن علي

وبنيسابور على محمد بن يحيى

وببغداد على أبي منصور بن الرزاز

ذكره ولده الإمام الرافعي في كتاب الأمالي وأكثر فيه الرواية عنه وفرق ترجمته على المجالس التي روي عنه فيها فذكر في كل مجلس غير ما في المجلس المتقدم عنه

وقال فيه والدي ممن خص بعفة الذيل وحسن السيرة والجد في العلم والعبادة وذلاقة اللسان وقوة الجنان والصلابة في الدين والمهابة عند الناس والبراعة في العلم حفظا وضبطا ثم إتقانا وبيانا وفهما ودراية ثم أداء ورواية

قال وأقبلت عليه المتفقهة بقزوين فدرس وأفاد وصنف في الحديث والفقه والتفسير

وكان جيد الحفظ سمعته يقول سهرت البارحة مفكرا فيما أحفظ من الأبيات المفردة والمقطوعات خاصة فذكر آلافا

قال وحكي لي الحسين بن عبد الرحيم المؤذن وهو رجل صالح أن والدي خرج ليلة لصلاة العشاء وكانت ليلة مظلمة فرأيت نورا فحسبت أن معه سراجا فلما وصل إلي لم أجد معه شيئا فذكرت له فلم يعجبه وقوفي على حاله وقال لي أقبل علي شأنك

قلت وسيأتي في ترجمة ولده ما يشبه هذه الحكاية فلعل نوع هذه الكرامة في الوالد والولد

قال الرافعي ولعل الله أن يوفقني لما هممت به من جمع مختصر في مناقبه

قلت وقد نقل عنه في الشرح في مواضع كثيرة منها التيمم و في الجنائز في موضعين والبيع والشهادات

وفي الصلاة في إشارة الأخرس فيها نقل أن الغزالي أجاب في الفتاوى بأنها تبطل وأنه رأى بخط والده حكاية وجه أنها لا تبطل ثم حكى هو أعني الرافعي وجهين في المسألة في كتاب الطلاق وصحح عدم البطلان

توفي والد الرافعي في شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة

655 محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت بن الحسن بن علي أبو بكر المهلبي

من أولاد المهلب بن أبي صفرة على ما ذكر بعضهم

صدر الدين الخجندي أبو بكر

من أهل أصبهان

كان رئيسها والمقدم عند السلاطين

قدم بغداد وولي تدريس النظامية

وكان يعظ بها وبجامع القصر

وسمع بأصبهان أبا علي الحداد وغانم بن أحمد وأبا القاسم إسماعيل بن الفضل بن أحمد السراج وطبقتهم

قال ابن السمعاني كان إماما فاضلا مناظرا فحلا واعظا مليح الوعظ سخي النفس جوادا

قال وكان بالوزراء أشبه من العلماء ثم قال وكان يروي الحديث على رأس المنبر من حفظه قلت ومن شعره

أنفق جسورا واسترق الورى ** ولا تخف خشية إملاق

الناس أكفاء إذا قوبلوا ** إن فاق شخص فبإنفاق

وكان موصوفا بحسن المناظرة وتحرير العبارة فيها

وكان لرياسته يمشي وحوله السيوف

خرج إلى أصبهان من بغداد فنزل قرية بين همذان والكرج نام في عافية وأصبح ميتا في الثاني والعشرين من شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة

قال ابن الأثير وقعت لموته فتنة عظيمة قتل فيها خلق بأصبهان

656 محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخجدي

ولد ولد المقدم ذكره

كان يلقب بلقب جده صدر الدين

قال ابن باطيش انتهت إليه رياسة الشافعية بأصبهان بعد موت أبيه

ورد بغداد في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة واستوطنها وأنعم عليه الخليفة بما لم ينعم به على أحد من أمثاله

وولي النظر في أوقاف النظاتمية وصار معظما

ثم خرج مع الوزير مؤيد الدين بن القصاب متوجها إلى خوزستان ثم إلى أصبهان وملكها وأذن له في المقام بأصبهان وبها الأمير سنقر فجرت بينهما أمور أدت إلى الوحشة بينهما فيقال إنه دس على ابن الخجندي من قتله وذلك في إحدى الجماديين من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة

وكان قد سمع شيئا من الحديث إلا أنه لم يبلغ سن الرواية

657 محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمذاني المقدسي أبو الحسن بن الشيخ أبي الفضل

ولد في نصف شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة

وسمع أبا الحسين بن النقور وطراد الزينبي وغيرهما

وروى عنه الحافظ ابن العساكر وغيره

وله تصانيف كثيرة

قال ابن النجار به ختم فن التاريخ

وله الذيل على تاريخ ابن جرير

و الذيل على الذيل الذي عمله الوزير أبو شجاع لتاريخ ابن مسكويه

وعنوان السير

وأخبار الوزراء

وطبقات الفقهاء

توفي فجأة في شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة

658 محمد بن عبد الملك بن عبد الحميد أبو عبد الله بن أبي الحسن الفارقي الشيخ الصالح العارف

صاحب الأحوال السنية

مولده سنة ثمان وخمسين

وقدم بغداد في صباه واستوطنها وقد أطال ابن النجار ترجمته

وذكر أن بعضهم دون كلامه في التصوف وأنه من تلامذة أبي البقاء المبارك بن الخل وأنه حدث عنه

ومن كلامه المحب بسطوة سلطان الجمال مغلوب وبحسام الحسن مضروب مأخوذ عنه مسلوب نجم رغبته غارب عن كل مرغوب طالع في آفاق الغيوب مصباح حبه يتوهج في زجاجة وجده بنار الوله بالمحبوب شهاب شوقه وكمده في قلبه وكبده ساطع في الألهوب

ومن شعره

إذا أفادك إنسان بفائدة ** من العلوم فأكثر شكره أبدا

وقل فلان جزاه الله صالحة ** أفادنيها وألق الكبر والحسدا

قال ابن النجار كان يتكلم على الناس في كل جمعة بعد الصلاة بجامع القصر يجلس على آجرتين ويقوم قائما إذا حمى في الكلام

وسئل أنه يعمل له كرسي فأبى

وكان زاهدا مخشوشنا

مات في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة

659 محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر بن محمد الكرجي بالجيم أبو الحسن بن أبي طالب

ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة

وسمع الحديث من مكي بن علان الكرجي وأبي القاسم علي بن أحمد بن بيان الرزاز وأبي علي محمد بن سعيد بن نبهان الكاتب وأبي الحسن بن العلاف وغيرهم

روى عنه ابن السمعاني وأبو موسى المديني وجماعة

وصنف تصانيف في المذهب والتفسير

ووقفت له على كتاب الذرائع في علم الشرائع وسأذكر منه مسائل إن شاء الله تعالى

قال ابن السمعاني فيه أبو الحسن من أهل الكرج رأيته بها إمام ورع عالم عاقل فقيه مفت محدث شاعر أديب له مجموع حسن

أفنى طول عمره في جمع العلم ونشره

وكان شافعي المذهب إلا أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح

وكان يقول إمامنا الشافعي رحمه الله قال إذا صح الحديث فاتركوا قولى وخذوا بالحديث وقد صح عندي أن النبي ترك القنوت في صلاة الصبح

قلت وكذلك رأيته قال في كتابه الذرائع القنوت في الصبح غير ثابت في الحديث بل منهي عنه

ولم أرتض أنا منه ذلك فإنه يصنف الكتاب على مذهب الشافعي ثم يفتي فيه بخلاف مذهبه ظنا منه صحة الحديث وأمامه عقبتان في غاية الصعوبة صحة الحديث وهيهات إن الوصول إلى ذلك لشديد عليه عسير وكونه يصير مذهبا للشافعي وهو أيضا صعب

وقد جاريت الشيخ الإمام الوالد في هذا وكان سببا لتصنيفه مصنفه المسمى بمعنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي وذكر كلام محمد بن عبد الملك هذا وأنه ترك لأجله قنوت الصبح ثم تبين له عدم صحته وأن النبي لم يترك قنوت الصبح وإنما ترك القنوت على رعل وذكوان

وأطال الشيخ الإمام فيه وأطاب فلينظره من أراده

قال ابن السمعاني وحكى لي الكرجي قال رأيت ليلة الشيخ أبا إسحاق في النوم فسلمت عليه وأردت أن أقبل يده فأعرض عني وامتنع فقلت له يا سيدنا أن من جملة غلمانك وأذكر المهذب من تصنيفك في الدرس

فقال لي لم تركت القنوت في صلاة الصبح

فقلت له إن الشافعي قال إذا صح الحديث فهو مذهبي

وشرعت معه في شرح الحديث وهو يصغي إلي إلى أن تبسم في وجهي

انتهى

قلت وقد حكى الحافظ أبو محمد الدمياطى هذه الحكاية وذكر أن هذا الكرجي من أكابر أصحاب الشيخ أبى إسحاق ولعله أخذ ذلك من قوله أنا من غلمانك والمذكور لم يصحب أبا إسحاق ولا رآه وإنما اعتزى إليه لتدريسه كتابه

وقد حكى لي والدي رحمه الله عن شيخه الدمياطي هذا فقلت له ليس الأمر كذلك ولم يكن والدي يعرف ترجمة هذا الكرجي فكتب عني هذا في كتابه معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي

وقال قال لي ابني عبد الوهاب إنه ليس من أصحاب الشيخ أبي إسحاق ولكن من أصحاب أصحابه وكان يدرس كتابه

وكان الوالد رحمه الله يعتمد ما أقوله فلذلك يعز إلي غالبا في تصانيفه ما كان يسمعه مني ويقع منه موقع الاستحسان أحسن الله جزاءه

وقد ذكر هذا الشيخ في كتابه الذرائع أنه أخذ الفقه عن أبي منصور محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني عن الإمام أبي بكر عبد الله بن أحمد الزاذقاني عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني

ثم قال ابن السمعاني وله قصيدة بائية في السنة شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف تزيد على مائتي بيت قرأتها عليه في داره بالكرج

قلت ثبت لنا بهذا الكلام إن ثبت أن ابن السمعاني قاله أن لهذا الرجل قصيدة في الاعتقاد على مذهب السلف موافقة للسنة وابن السمعاني كان أشعري العقيدة فلا نعترف بأن القصيدة على السنة واعتقاد السلف إلا إذا وافقت ما نعتقد أنه كذلك وهو رأى الأشعري

إذا عرف هذا فاعلم أنا وقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ وتلقب بعروس القصائد في شموس العقائد نال فيها من أهل السنة وباح بالتجسيم فلا حيا الله معتقدها ولا حيى قائلها كائنا من كان وتكلم فيها في الأشعري أقبح كلام وافترى عليه أي افتراء

ثم رأيت شيخنا الذهبي حكى كلام ابن السمعاني الذي حكيته ثم قال قلت أولها

محاسن جسمي بدلت بالمعايب ** وشيب فودي شوب وصل الحبائب

ومنها

عقائدهم أن الإله بذاته ** على عرشه مع علمه بالغوائب

ومنها

ففي كرج الله من خوف أهلها ** يذوب بها البدعي يا شر ذائب

يموت ولا يقوى لإظهار بدعة ** مخافة حز الرأس من كل جانب

انتهى ما حكاه الذهبي

وكان يتمنى فيما أعرفه منه أن يحكى الأبيات الأخر ذات الطامات الكبر التي سأذكرها لك ولكن يخشى صولة الشافعية وسيف السنة المحمدية

وأقول أولا أني ارتبت في أمره هذه القصيدة وصحة نسبتها إلى هذا الرجل وغلب على طني أنها إما مكذوبة عليه كلها أو بعضها والذي يرجح أنها مكذوبة عليه كلها أن ابن الصلاح ترجم هذا الرجل وحكى كلام ابن السمعاني إلا فيما يتعلق بهذه القصيدة فلم يذكره فيجوز أن يكون ذلك قد دس في كتاب ابن السمعاني ليصحح به نسبة القصيدة إلى الكرجي وقد جرى كثير مثل ذلك ويؤيد هذه أيضا أن ابن السمعاني ساق كثيرا من شعره ولم يذكر من هذه القصيدة بيتا واحدا ولو كان قد قرأها عليه لكان يوشك أن يذكر ولو بعضها

ويحتمل أن يكون له بعضها ولكن زيدت الأبيات المقتضية للتجسيم وللكلام في الأشاعرة ويؤيد ذلك أن القصيدة المشار إليها تزيد على المائتين وأربعين وابن السمعاني قال تزيد على المائتين وظاهر هذه العبارة أنها تزيد بدون عقد وأنها لو كانت مائتين وأزيد من أربعين لقال نزيد على المائتين وأربعين ويؤيده أيضا أن أبياتها غير متناسبة فإن بعضها شعر مقبول وأظنه شعره وبعضها وهو المشتمل على القبائح في غاية الرداءة لا يرضى به من يحسن الشعر

وها أنا أحكي لك بعضها

فأولها يقول

محاسن جسمي شانها بالمعايب ** وشيب فودي شوب وصل الحبائب

وأقبل شيبي والشبيبة أدبرت ** وقرب من أحزاننا كل غارب

ومنها أيضا

وليس يرد العمر ما قلت آهة ** ولا الحزن يدني قاصيات الشبائب

وهذا كله شعر مقبول لا يصل إلى درجة الحسن ولا ينزل إلى درجة الرد كما يعرف ذلك من يذوق الأدب

منها أيضا

عقائدهم أن الإله بذاته ** على عرشه مع علمه بالغوائب

وهذا من أسهل ما فيها وليس فيها ما ينكر معناه إلا قوله بذاته وهي عبارة سبقه إليها ابن أبي زيد المالكي في الرسالة إلا أنه بيت سمج مردود فإن قوله على عرشه مع علمه بالغوائب كلام لا ارتباط لبعضه ببعض فإنه لا ارتباط لعلم الغيب بمسألة الاستواء

وقوله بالغوائب إن أراد جمع غيب فهو لحن فإن الغيب لا يثني ولا يجمع لأنه اسم جنس ولئن جمع فجمعه غيوب وإن أراد جمع غائبة لحن عليه

ثم ساق أبياتا في اليدين والكيف والصوت والضحك ووضع القدم والأصابع والصورة والغيرة والحياء وأنحاء ذلك

وليس فيه كبير أمر إلا أن جمعها دليل منه على محاولة التجسيم فإنها لم ترد في الشريعة مجموعة بل مفرقة وفي كل مكان قرينة ترشد إلى المراد فإذا جمعها جامع أضل ضلالا مبينا

ثم ذكر التجسيم والتجهم والاعتزال والرفض والإرجاء وجمع الكل في بيتين فقال

طرائق تجسيم وطرق تجهم ** وسبل اعتزال مثل نسج العناكب

وفي قدر والرفض طرق عمية ** وما قيل في الإرجاء من نعب ناعب

ثم قال

وخبث مقال الأشعري تخنث ** يضاهي تلويه تلوي الشغازب

يزين هذا الأشعري مقاله ** ويقشبه بالسم ياشر قاشب

فينفي تفاصيلا ويثبت جملة ** كناقصه من بعد شد الذوائب

يؤول آيات الصفات برأيه ** فجرأته في الدين جرأة خارب

ويجزم بالتأويل من سنن الهدى ** ويخلب أغمارا فأشئم بخالب

وهذا كلام من لا يستحيي من الله والغرض على كلامه لائح فإن أهل البدع الذين هم أهل البدع حقا بلا خلاف بين المحدثين والفقهاء هم المجسمة والمعتزلة والقدرية و هم المجسمة والجهمية والرافضة والمرجئة لم يشتغل بهم إلا في بيتين وأطال في الأشاعرة ولا يخفى أن الأشاعرة إنما هم نفس أهل السنة أو هم أقرب الناس إلى أهل السنة

ثم إن قوله مقال الأشعري تخنث من ردىء الكلام ومن أعظم الافتراء

ويعجبني من كلام الشيخ كمال الدين بن الزملكاني في رده على ابن تيمية قوله إن كانت الأشاعرة الذين فيهم القاضي أبو بكر الباقلاني والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وإمام الحرمين والغزالي وهلم جرا إلى الإمام فخر الدين مخانيث فليس بعد الأنبياء والصحابة فحل

وأقول إن كان هؤلاء أغمارا والأشعري يخلبهم فليس بعد الأنبياء والصحابة فطن فيالله والمسلمين

ثم قال يعني الأشعري

ولم يك ذا علم ودين وإنما ** بضاعته كانت مخوق مداعب

وفي هذا البيت من الكذب ما لا يخفى على لبيب فإن أحدا من الطوائف لم ينكر علم الأشعري بل اتفقوا على أنه كان أوحد عصره لا يختلف في ذلك لا من ينسبه إلى السنة ولا من ينسبه إلى البدعة

وأما دينه فاتفقوا علىزهده وورعه

ثم قال

وكان كلاميا بالاحساء موته ** بأسوأ موت ماته ذو السوائب

وهذا أيضا كذب ولم يبلغنا أنه مات إلا كما مات غيره من الصالحين ولم يمت بالأحساء

ثم قال

كذا كل رأس للضلالة قد مضى ** بقتل وصلب باللحى والشوارب

كجعد وجهم والمريسي بعده ** وذا الأشعري المبتلى شر دائب

فقبحه الله ما أجرأه على الله أي بلية ابتلى بها الأشعري وقد مات فراشه حتف أنفه ومات يوم بعد يوم مات والمسلمون باكون وأهل السنة ينوحون وأي صلب أو قتل كان وكيف يجمع بينه وبين جعد وجهم والمريسي وهؤلاء ثلاثة لا يختلف في بدعتهم وسوء طريقتهم وما أبرد هذا الشعر وأسمجه

ثم قال هذا البيت

معايبهم توفي على مدح غيرهم ** وذا المبتلى المفتون عيب المعايب

فقبحه الله جعل شيخ السنة شرا من هؤلاء المبتدعين

فهذا ما أردت حكايته منها ولو أمكن إعدامها من الوجود كان أولى والأغلب على الظن أنها ملفقة موضوعة وضع ما فيها من الخرافات من لا يستحي

ثم أقول قبح الله قائلها كائنا من كان وإن يكن هو هذا الكرجي فنحن نبرأ إلى الله منه إلا أني على قطع بأن ابن السمعاني لا يقرأ هذه الأبيات ولا يستحل روايتها وقد بينت لك من القرائن الدالة على أنها موضوعة ما فيه كفاية

توفي الكرجي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة

وأورد ابن السمعاني كثيرا من شعره وكله لا بأس به وليس فيه إلا ما إذا وقف عليه أديب وعلى الأبيات القبيحة التي اشتملت عليها هذه القصيدة قضى بأن قائلها هذا غير قائل ذاك

قال أبو الحسن الكرجي في كتابه الذرائع إن خلاف المعاطاة في البيع جار في الإجارة

وهذا عزاه النووي في شرح المهذب إلى المتولي وآخرين وأنهم قالوا خلاف المعاطاة يجري في الإجارة والرهن والهبة

قلت وينبغي أن يكون الأصح في الإجارة والرهن والمختار والراجح عدم الاكتفاء إذ لا عرف فيهما ولا عادة بخلاف البيع والهبة

وذكر في كتاب الذرائع أنه يحرم أكل الشواء الذي يغطى حارا فيحتبس بخارة فيه لأنه سم قاتل وكل ما يستقذر في الغالب إلا الماء الآجن واللحم المنتن

انتهى

وقد حكى في الروضة وجها أيضا أنه يحرم أكل اللحم المنتن أيضا وأن العمراني قال إنه نجس على هذا الوجه

ولم أر هذه الزيادة في كلام العمراني وما ذكره الكرجي في الشواء إن صح أنه قاتل فظاهر لا شك فيه

660 محمد بن عبد الملك بن محمد الجوسقاني أبو حامد الإسفرايني وجوسقان محلة منها

قال ابن السمعاني إمام فاضل متدين حسن السيرة قليل الاختلاط بالناس

تفقه على الغزالي ببغداد

وسمع من أبي عبد الله الحميدي الحافظ

قال ولقيته بأسفراين ودخلت عليه متبركا به مغتنما دعاه فكتبت عنه بيتين لا غير أنشدنيهما

قال أنشدني أبو نصر عبد الرحيم القشيري لنفسه

رب أخ سمته فراقي ** وكنت من قبل أصطفيه

ذاك لأني ارتجيت راشدا ** فلاح أن لا فلاح فيه

661 محمد بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر بن أحمد بن الصباغ أبو جعفر بن أبي المظفر بن أبي غالب

من بيت الفقه والرواية والقضاء

ولد يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسمائة

وتفقه على أسعد الميهني وأبي منصور بن الرزاز

وسمع الحديث من هبة الله بن محمد بن الحصين وأبي السعادات بن المتوكل على الله والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي منصور محمد بن عبد الملك ابن خيرون وأبي القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي

سمع منه عمر بن علي القرشي وسعيد بن هبة الله ومحمد بن النفيس الأزجي وغيرهم

وكانت له إجازة من ابن بيان الرزاز

وولى القضاء بحريم دار الخلافة ثم عزل لأن سيرته على ما ذكر ابن النجار لم تحمد

ودرس بالنظامية نيابة عند موت يوسف الدمشقي

مات في الثاني عشر من ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة

662 محمد بن عشير بن معروف أبو بكر الشرواني

نزيل بغداد

تفقه على إلكيا

وسمع من هبة الله بن المبارك بن السفطي وغيره

روى عنه ابن السمعاني وغيره

وشروان بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بفتح الواو وفي آخرها النون من نواحي دربند

وعشير بفتح العين المهملة بعدها شين معجمة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم راء

توفي في شوال سنة تسع وثلاثين وخمسمائة

663 محمد بن علي بن أحمد بن نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي أبو نصر ابن أبي الحسن بن الوزير نظام الملك أبي علي

تفقه على أسعد الميهني وعلى غيره

وبرع في الفقه وتولى التدريس بمدرسة جد والده ثم عزل منها ثم أعيد وفوض إليه النظر في أوقافها

وكان له جاه عريض وحرمة وافرة ثم عزل عنها ثانيا واعتقل مديدة ثم أفرج عنه فحج وعاد إلى بغداد

ثم قدم دمشق ودرس يالغزالية وأقام بها إلى حين وفاته

سمع الحديث من أبي منصور بن خيرون وأبي الوقت السجزي وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي

قال ابن النجار وما أظنه روى شيئا لأنه مات شابا

مات سنة إحدى وستين وخمسمائة

664 محمد بن علي بن الحسن أحمد بن علي بن الشهرزوري أبو المظفر الفرضي

من أهل بغداد

سمع أبا الخطاب بن البطر والحسين بن أحمد بن طلحة وأبا الفضل بن خيرون وغيرهم

روى عنه الحافظ أبو سعد بن السمعاني

وقال شيخ فاضل ثقة دين خير له معرفة تامة بالفرائض والحساب

وكان له دكان في سوق الريحانيين يبيع فيه العطر والأدوية وكان الفقهاء يقرأون عليه الفرائض في دكانه

قال وكانت ولادته في ذي الحجة سنة تسع وسبعين وأربعمائة

هذا كلام ابن السمعاني في الأنساب

وزاد في الذيل أنه ركبه دين فخرج إلى بلاد الموصل ثم خرج منها إلى بعض ثغور أذربيجان ومات بها

قال ابن النجار قرأت بخط أبي الفضل أحمد بن صالح بن شافع الشاهد اتصل بنا الخبر بوفاة هذا الرجل بخلاط في سنة خمس وخمسين وخسمائة

قيل في رجب

665 محمد بن علي بن الحسن القاضي أبو بكر الميانجي الهمذاني

قال ابن الصلاح فاضل وابن فاضل وأبو فاضل فهو ابن القاضي علي الميانجي وأبو عين القضاة عبد الله

صحب الشيخ أبا إسحاق الشيرازي

وقال ابن السمعاني في الأنساب إنه ولي القضاء بهمذان

قال وكان فاضلا ذكيا حسن الظاهر

روى لنا عنه أبو الفتوح محمد بن أبي جعفر الطائي بهمذان

قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في المنثورات سمعت القاضي محمد بن علي الميانجي بهمذان يقول كنت مع أبي إسحاق الفيروزاباذي بنيسابور فلما كان يوم النظر سأله بعض المتفقهة عن مسألة فأجاب فطالبه بالدليل وكان أبو المعالي ابن الجويني حاضرا فقال قوله ‏(‏ وإذنها صماتها ‏)‏

فقال أبو المعالي لم أستدل قط بهذا الحديث في هذا المسألة لأني لم أعرف صحته فالآن أستدل به فيما بعد لا ستدلال الشيخ به

قال ابن الصلاح لعله عني صحة الاستدلال لا صحة الحديث في نفسه فإنه لا يحسن فيه مثل هذا منه

قلت والدليل على أنه لم يعن غير ذلك قوله لم أستدل به قط في هذه المسألة فإن هذا القيد يفهم أنه يستدل به في غيرها ولو كان عدم استدلاله به لضعفه لم يستدل به لا فيها ولا في غيرها

وفي ترجمة الشيخ أبي إسحاق عن بعضهم أن الشيخ حين خرج إلى خراسان رسولا صحبة جماعة من أصحابه الفضلاء منهم علي الميانجي وإنما أراد ابن علي الميانجي هذا فغلط في اسمه فإن عليا الميانجي مات قبل ذلك سنة إحدى وسبعين

666 محمد بن علي بن عبد الله بن أحمد بن حمدان أبو سعيد الجاواني الحلوي العراقي

وجاوان قبيلة من الأكراد سكنوا الحلة

وقد كني بأبي عبد الله أيضا

تفقه ببغداد على الغزالي والشاشي وإلكيا

وبرع وتميز

وسمع من أبي عبد الله الحميدي وأبي سعيد عبد الواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري وأبي بكر الشامي القاضي

وقرأ المقامات على مؤلفها القاسم الحريري

وله شرح المقامات وعيوب الشعر والفرق بين الراء والغين

وحدث بكتاب الجام العوام للغزالي عنه

ومن شعره

سلام علىعهد الهوى المتقادم ** وأيامنا اللاتي بجرعاء جاسم

ودار ألفنا الوجد فيها ومسكن ** نعمنا به مع كل حوراء ناعم

مرابع أنسي في الهوى ومنازل ** للهو الصبا والوصل راسي الدعائم

قال ابن النجار بلغني أن مولده في سنة ثمان وستين وأربعمائة ولم يؤرخ وفاته

ولهم محمد بن علي بن عبد الله أبو عبد الله العراقي البغدادي

من تلامذة الغزالي والشاشي وإلكيا وأبي بكر الشامي

لقيه المحدث أبو الفوارس الحسن بن عبد الله بن شافع الدمشقي بإربل وسمع منه

ذكر شيخنا الذهبي أنه بقي إلى بعد الأربعين وخمسمائة

فلا أدري هل هو هذا أو غيره

667 محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن ياسر الأنصاري أبو بكر

من أهل جيان إحدى بلاد الأندلس

دخل ديار مصر والشام والعراق وخراسان وما وراء النهر

ولقي الأئمة

وتفقه بسنجار حتى مهر في المذهب والخلاف والجدل

ثم اشتغل بالحديث

وسكن بلخ مدة ثم عاد إلى بغداد بعد فتنة الغز

وتوجه إلى مكة وحج وانصراف إلى الشام واستوطن مدينة حلب إلى أن توفي بها

سمع بدمشق أبا الحسن علي بن المسلم السلمي

وببغداد أبا القاسم بن الحصين وبنيسابور أبا القاسم سهل بن إبراهيم المسجدي

وبمرو أبا منصور محمد بن علي الكراعي

روى عنه أبو المظفر عبد الرحيم بن السمعاني وغيره

توفي بحلب في سنة ثلاث وستين وخمسمائة

668 محمد بن علي بن عبد الواحد أبو رشيد

من آمل طبرستان

كان زاهدا منقطعا في بعض الجزائر وحده سنين عديدة ثم رجع إلى آمل

وتوفي بها ليلة الأحد لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وقبره معروف هناك يزار ويتبرك به

وقد ولد سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وأربعمائة

ترجمه ابن باطيش

669 محمد بن علي بن عمر الخطيب أبو بكر

من أهل بروجرد

قدم بغداد وتفقه على أسعد الميهني

ثم سافر إلى خراسان وأقام بمرو مدة يتفقه حتى برع

وسمع الحديث هناك من جماعة

ثم صحب الشيخ يوسف بن أيوب الزاهد وسلك طريق الزهد والخلوة والانقطاع إلى الله تعالى وحج

مولده سنة أربع وتسعين وأربعمائة

ومات سنة خمس وخمسين وخمسمائة

670 محمد بن علي بن أبي علي القلعي

صاحب كتاب احترازات المهذب

وله كتاب آخر في مستغرب ألفاظه وفي أسماء رجاله وله مصنف حافل في الفرائض

كان من أهل اليمن

671 محمد بن علي بن محمد بن الحسن أبو عبد الله الرحبي المعروف بابن المتقنة

فقيه فاضل

صنف كتبا

مات بالرحبة بكرة الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة سبع وسبعين وخمسمائة عن ثمانين سنة

أرخه ابن باطيش

672 محمد بن علي بن محمد بن شهفيروز اللارزي

بتشديد اللام وكسر الراء والزاي نسبة إلى لارز قرية من طبرستان

أبو جعفر

قال ابن السمعاني شاب صالح دين حريص على طلب الحديث

قال وسمع بنيسابور أبا سعد الحيري وعبد الغفار الشيروي

وببلدة آمل أبا المحاسن الروياني وغيرهم

روى عنه ابن كامل المبارك الخفاف

وكانت وفاته ببغداد في تاسع عشر المحرم سنة ثماني عشرة وخمسمائة بالمارستان العضدي

673 محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي

قاضي قضاة الشام

محيي الدين أبو المعالي ابن قاضي القضاة زكي الدين بن قاضي القضاة المنتخب ابن قاضي القضاة أبي الفضل القرشي العثماني على ما يذكرون ابن الزكي

ولد سنة خمسين وخمسمائة

وقرأ المذهب على جماعة وسمع من والده وعبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني والصائن هبة الله ابن عساكر وجماعة

روى عنه شهاب القوصي والمجد ابن عساكر وجماعة

وحدث عنه بالإجازة أحمد بن أبي الخير

وكان فقيها أديبا منشئا بليغا فصيحا

قال أبو شامة كان عالما صارما حسن الخط واللفظ

وشهد فتح بيت المقدس فكان أول من خطب بالمسجد الأقصى بعد ما تطاول كثير من الحاضرين لها فلم يتقدم عليه غيره وأتى بتلك الخطبة البديعة المفتتحة بتحميدات الكتاب العزيز

ثم قال الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره

إلى آخر الخطبة

وكان له من العمر يومئذ ثلاث وثلاثون سنة

وكان يتولى نظر الجامع الأموي بنفسه

واسمه إلى الآن موجود على يمين قبة النسر بخط كوفي بفص أبيض وهو ظاهر في الجهة الشرقية فيه أن ذلك فصص في مباشرته

وكان قوي النفس ناب في أول أمره في الحكم عن ابن عصرون ثم تظاهر بترك النيابة فأرسل السلطان صلاح الدين إلى ابن أبي عصرون وأمره أن يضرب على علامته في مجلس حكمه ففعل به ذلك فلزم بيته حياء وطلب ابن أبي عصرون من ينوب عنه فأشير عليه بالخطيب ضياء الدين الدولعي فأرسل إليه خلعة النيابة فلم يقبل

فأرسلها إلى جمال الدين بن الحرستاني فقبل وناب عنه

واستمر ابن الزكي ملازما لبيته إلى أن توفي ابن أبي عصرون فولاه السلطان القضاء وعظمت رتبته عنده

ثم اضطرب حاله في آخر عمره وجرت له قضية مع الإسماعلية بسبب قتل شخص منهم فلذلك فتح بابا سريا إلى الجامع من داره التي بباب البريد لأجل صلاة الجمعة

توفي سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وله ثمان وأربعون سنة

674 محمد بن علي بن مهران الخولي أبو عبد الله

الفقيه الزاهد الجزري

تفقه على إلكيا أبي الحسن الهراسي ببغداد

وعاد إلى بلده الجزيرة العمرية واستقر بزاوية له معروفة به في الجزيرة قال ابن باطيش وظهرت له آثار جميلة وكرامات كثيرة

قال وله أصحاب فيهم كثرة

قال وتوفي في ديار بكر في سنة نيف وأربعين وخمسمائة

675 محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد بن أبي عيسى الحافظ أبو موسى المديني الأصبهاني

صاحب التصانيف

ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة

وسمع حضورا في سنة ثلاث باعتناء والده من أبي سعد محمد بن محمد المطرز

ومات المطرز تلك السنة

وسمع أيضا من أبي منصور محمد بن عبد الله بن مندوية الشروطي وغانم البرجي وأبي علي الحداد وأبي الفضل محمد بن طاهر الحافظ وأبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ وبه تخرج وهبة الله بن الحصين وفاطمة الجوزدانية وأبي العز بن كادش وخلق كثير ببلده وببغداد وهمذان روى عنه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي والحافظ عبد الغني والحافط عبد القادر الرهاوي والحافظ محمد بن مكي والحسن بن أبي معشر الأصبهاني والناصح بن الحنبلي وخلق كثير

ومن مصنفاته الكتاب المشهور في تتمة معرفة الصحابة الذي ذيل به علي أبي نعيم

وكتاب الأخبار الطوالات مجلد

وكتاب تتمة الغريبين

وكتاب اللطائف في المعارف

وكتاب الوظائف

وكتاب عوال التابعين وغير ذلك

وعرض من حفظه كتاب علوم الحديث للحاكم علي إسماعيل الحافظ

قال ابن الدبيثي عاش حتى صار أوحد وقته وشيخ زمانه إسنادا وحفظا

وقال ابن النجار انتشر حفظه وعلمه في الآفاق وكتب عنه الحفاظ واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الحفظ والعلم والثقة والإتقان والدين والصلاح وسديد الطريقة وصحة الضبط والنقل وحسن التصانيف قال وتفقه على أبي عبد الله الحسن بن العباس الرستمي

قال ومهر في النحو واللغة

قال وسمعت أبا عبد الله بن خمارتاش يقول كان الحافظ أبو مسعود كوتاه يقول أبو موسى كنز مخفي

وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي حصل من المسموعات بأصبهان خاصة ما لم يتحصل لأحد في زمانه وانضم إلى كثرة مسموعاته الحفظ والإتقان

قال وتعففه الذي لم نره لأحد من حفاظ الحديث في زماننا له شيء يسير يتربح به وينفق منه ولا يقبل من أحد شيئا قط

وقال الحسين بن يوحن بن النعمان الباوري كنت في مدينة الخان فجاءني رجل فسألني عن رؤيا قال رأيت كأن رسول الله توفي

فقلت هذه رؤيا الكبار وإن صدقت رؤياك يموت إمام لا نظير له في زمانه فإن هذا المنام رؤى حالة وفاة الشافعي والثوري وأحمد بن حنبل

قال فما أمسينا حتى جاءنا الخبر بوفاة الحافظ أبي موسى

وعن عبد الله بن محمد الخجندي لما دفن أبو موسى لم يكادوا يفرعون حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد وكان الماء قليلا بأصبهان

قال وكان الحافظ أبو موسى قد ذكر في آخر إملاء أملاه أنه متى مات في كل أمة من له منزلة عند الله رفيعة بعث الله سحابا يوم موته علامة للمغفرة له ولمن صلى عليه فوقع له ذلك عند موته كما كان حدث في حياته

توفي رحمه الله بأصبهان يوم الأربعاء منتصف النهار تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة

ودفن بالمصلى خلف محراب الجامع

قال أبو البركات محمد بن محمود الرويدشتي وصنفت الأئمة في مناقبه تصانيف كثيرة

ومن الغرائب والفوائد عنه

نقل ابن الأثير أن أبا موسى الحافظ رحمه الله حدث عن مكي بن أحمد البردعي عن إسحاق بن إبراهيم الطوسي أنه قال رأيت سرباتك ملك الهند بمدينة قنوج فقال لي أتت علي تسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة وزعم أن رسول الله أرسل إليه كتابا مع عشرة من أصحابه فيهم أسامة وحذيفة وسفينة وصهيب وعمرو ابن العاص وأبو موسى الأشعري وأنه قبل كتاب رسول الله وأسلم

قلت سرباتك بكسر السين المهملة ثم راء ساكنة ثم باء موحدة وبعدها ألف ساكنة ثم تاء مثناة من فوق مفتوحة

وقد أنكر ابن الأثير على أبي موسى ذكره لهذا في الصحابة وهو موضع الإنكار علي مثل أبي موسى

676 محمد بن عمر بن عبد الله بن محمد الأرغياني أبو شجاع الراونيري ابن أخي الإمام أبي نصر الأرغياني

ولد بقرية راونير من ناحية أرغيان سنة تسعين وأربعمائة

ذكره ابن السمعاني في التحبير ولم يؤرخ وفاته

وقال فقيه فاضل عارف بالمذهب حافظ له مناظر حسن السيرة دين ورع

تفقه على الإمامين عمر بن محمد السرخسي وإبراهيم المروروذي

وأقام بمرو مدة ثم انتقل إلى نيسابور

وولى إمامة مسجد عقيل بعد عمه وبقي يعظ الناس

سمع أبا بكر الشيروي وغيره

قال سمعت منه أحاديث يسيرة بنيسابور

677 محمد بن عمر بن محمد بن محمد أبو عبد الله الشاشي

من الفقهاء العباد

تفقه بمرو علي البغوي

وحدث عنه بالأربعين الصغرى له رواها عنه عبد الرحيم بن السمعاني

توفي في شعبان سنة ست وخمسين وخمسمائة وله بضع وسبعون سنة

678 محمد بن عمر بن يوسف بن محمد الأرموي القاضي أبو الفضل

من أهل أرمية

ولد في صفر سنة تسع وخمسين وأربعمائة ببغداد

وسمع صغيرا من أبي جعفر بن المسلمة وأبي الحسين بن المهتدي بالله وعبد الصمد بن المأمون

وتفرد عنهم بالسماع

وسمع أيضا من أبي الحسين بن النقور وأبي نصر الزينبي وغيرهما حدث عنه ابن عساكر والسلفي وابن السمعاني وعبد الخالق بن أسد وعمر ابن طبرزد وأسعد بن المنجا وخلائق آخرهم الفتح بن عبد السلام

وكان أسند من بقي ببغداد فقيها فاضلا من تلامذة أبي إسحاق الشيرازي

قال ابن السمعاني هو فقيه إمام متدين ثقة صالح حسن الكلام في المسائل كثير التلاوة للقرآن

قلت وولي قضاء دير العاقول مدة

ومات في رجب سنة سبع وأربعين وخمسمائة

679 محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس أبو عبد الله الفراوي ثم النيسابوري

الملقب بفقيه الحرم

مولده تقديرا سنة إحدى وأربعين وأربعمائة بنيسابور

وسمع صحيح مسلم من عبد الغافر الفارسي

وسمع جزء ابن نجيد من عمر بن مسرور وسمع من شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني أجاز له وسمع منه في هذه السنة التي قلنا إنه ولد تقديرا فيها وسمع أيضا من أبي سعد الكنجروذي وأبي بكر البيهقي وسعيد العيار وأبي القاسم القشيري وأبي سهل الحفصي وأبي عثمان سعيد بن محمد البحيري وأبي يعلى إسحاق أخي الصابوني والشيخ أبي إسحاق الشيرازي لما قدم إلى نيسابور رسولا وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني

وببغداد من أبي نصر الزينبي وعاصم بن الحسن

وقد أخل ابن النجار بذكره في الذيل مع ذكر ابن السمعاني له

وتفرد بمسلم وبدلائل النبوة للبيهقي والأسماء والصفات له والدعوات له والبعث له

روى عنه أبو سعد بن السمعاني

وقال إمام مفت مناظر واعظ حسن الأخلاق والمعاشرة كثير التبسم مكرم للغرباء ما رأيت في شيوخي مثله

والحافظ أبو القاسم بن عساكر وأبو العلاء الهمذاني وأبو الحسن المرادي ومحمد بن علي بن ياسر الجياني ومحمد بن علي بن صدقة الحراني وأحمد بن إسماعيل القزويني وأبو سعيد عبد الله بن عمر الصفار وعبد الرحيم بن عبد الرحمن الشعري ومنصور بن عبد المنعم الفراوي وخلق آخرهم وفاة المؤيد الطوسي

ذكره عبد الغافر في السياق فقال فيه فقيه الحرم البارع في الفقه والأصول الحافظ للقواعد

نشأ بين الصوفية ووصل إليه بركات أنفاسهم

درس على زين الإسلام القشيري الأصول والتفسير

ثم اختلف إلى مجلس إمام الحرمين ولازم درسه ما عاش وتفقه عليه وعلق عنه الأصول وصار من جملة المذكورين من أصحابه

وحج وعقد المجلس ببغداد وسائر البلاد

وأظهر العلم بالحرمين وكان منه بهما أثر

وذكر ونشر العلم وعاد إلى نيسابور

وما تعدى قط حد العلماء ولا سيرة الصالحين من التواضع والتبذل في الملابس والمعاش وتستر بكتابة الشروط لاتصاله بالزمرة الشحامية مصاهرة

ودرس بالمدرسة الناصحية

وأم بمسجد المطرز

وعقد مجلس الإملاء يوم الأحد

وله مجالس الوعظ المشحونة بالفوائد والمبالغة في النصح

وحدث بالصحيحين وغريب الخطابي وغير ذلك

والله يزيد مدته ويفسح في مهلته إمتاعا للمسلمين بفائدته

وقال أبو سعد بن السمعاني سمعت عبد الرشيد بن علي الطبري بمرو يقول الفراوي ألف راوي

قال أبو سعد وسمعت الفراوي يقول كنا نسمع مسند أبي عوانة علي أبي القاسم القشيري وكان يحضر رجل من المحتشمين يجلس بجنب الشيخ وكان القارىء أبي فاتفق أنه بعد قراءة جملة من الكتاب انقطع ذلك المحتشم يوما وخرج الشيخ على العادة وكان في أكثر الأوقات يخرج ويقعد وعليه قميص أسود خشن وعمامة صغيرة وكنت أظن أن والدي يقرأ الكتاب على ذلك الرئيس فشرع أبي في القراءة فقلت يا سيدي على من تقرأ والشيخ ما يحضر

فقال وكأنك تظن أن شيخك ذلك الشخص

قلت نعم

فضاق صدره واسترجع وقال يا بني شيخك هذا القاعد وعلم ذلك المكان ثم أعاد لي من أول الكتاب إليه

قال أبو سعد سمعت عبد الرزاق بن أبي نصر الطبسي يقول قرأت صحيح مسلم على الفراوي سبع عشرة نوبة ففي آخر الأيام قال لي إذا أنا مت أوصيك أن تحضر غسلي وأن تصلي أنت بمن في الدار وأن تدخل لسانك في في فإنك قرأت به كثيرا حديث رسول الله

قلت أملي الفراوي أكثر من ألف مجلس وانفرد بعلو الإسناد مع البصر بالعلم والديانة المتينة

قال ابن السمعاني وأذكر أنا خرجنا في رمضان سنة ثلاثين وحملنا محفته على رقابنا إلى قبر مسلم بن الحجاج بنصر أباذ لإتمام الصحيح عند قبر المصنف فبعد أن فرغ القارىء من قراءة الكتاب بكى ودعا وأبكى الحاضرين وقال لعل هذا الكتاب لا يقرأ علي بعد هذا

وكان قوله هذا في شهر رمضان وما قرىء عليه الكتاب بعد ذلك بل توفي في شوال ضحوة يوم الخميس الحادي والعشرين من سنة ثلاثين وخمسمائة

ودفن عند ابن خزيمة

ومن الفوائد والمسائل عنه

680 محمد بن الفضل بن محمد بن المعتمد الشيخ الإمام أبو الفتوح الإسفرايني

أحد الأئمة المشمرين في العباد الناصرين للسنة الصابرين على ما ينوبهم من الاذى في ذلك

مولده في سنة أربع وسبعين وأربعمائة بأسفراين

سمع بنيسابور أبا الحسن المديني

وبهمذان شيرويه بن شهردار وغيرهما

روى عنه الحافظان ابن عساكر وابن السمعاني وغيرهما

قال ابن عساكر هو آخر من رأيته أفصح لسانا وأكثرهم فيما يورد إعرابا وإحسانا وأسرعهم عند السؤال جوابا وأسلسهم عند الإيراد خطابا مع ما رزق بعد صحة العقيدة من السجايا الكريمة والخصال الحميدة من قلة المراآة لأبناء الدنيا وعدم المبالاة بذوي الرتب العليا والإقبال على إرشاد الخلق وبذل النفس في نصرة الحق والصلابة في الدين وإظهار صحة اليقين وما ينضاف إلى هذه الشيم من سعة النفس وشدة الكرم والتحلي بالتصوف والزهادة والتخلي لوظائف العبادة والاستحقاق لوصف السيادة والفوز في آخر عمره بالشهادة

وقال ابن السمعاني إمام واعظ حلو الكلام حسن الوعظ فصيح العبارة ظريف الجملة

وقال ابن النجار كان من أفراد الدهر في الوعظ فصيح العبارة ظريف الإشارة حلو الإيراد

وكان أوحد وقته في مذهب الأشعري

وله في التصوف قدم راسخ وكلام دقيق

صنف في الحقيقة كتبا منها كشف الأسرار وبيان التقلب وبث الأسرار وعد غير ذلك

قال وورد بغداد سنة خمس عشرة وظهر له القبول التام من الخاص والعام

وكان يتكلم على مذهب الأشعري فثارت عليه الحنابلة ووقعت فتن فأمر المسترشد بإخراجه فخرج إلى أن ولي المقتفى فعاد واستوطن بغداد فلم يزل يعظ ويظهر مذهب الأشعري إلى أن عادت الفتن على حالها فأخرج ثاني مرة وأدركه أجله

قال الحافظ بلغني أنه لماوقعت له الواقعة ببغداد اجتمعت إليه جماعة من أصحابه وشكو إليه ما يتوقعونه من وحشة فراقه فقال لعل في ذلك خيرة

قال فكان كما قال خرج من بغداد متوجها إلى خراسان فأصابه مرض البطن فمات غريبا مبطونا شهيدا

ودفن ببسطام إلى جنب قبر أبي يزيد البسطامي في شهور سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة

وحكى جماعة من أهل بسطام أن قيم مسجد أبي يزيد رآه في المنام وهو يقول له غدا يجيء أخي ويكون في ضيافتي فقدم الشيخ أبو الفتوح وعمل له وقت وأقام ثلاثة أيام ببسطام ثم مات

قال وبلغني من وجه آخر أن قيم مسجد أبي يزيد رأى أبا يزيد في النوم في الليلة التي في صبيحتها دفن الإمام أبو الفتوح وهو يقول له غدا يقبر إلى جنبي رجل صالح فاحفر له قبرا فأصبح القيم وحفر القبر وتلقى الصحبة التي قدم به فيها فوجده قد مات فدفنه إلى جنبه

ومن وجه آخر رأى أبا يزيد يكنس الرباط ويملأ الآنية التي فيه ماء فقلت أنا أكفيك

فقال إنه يقدم في غد ضيف أحب أن أتولى خدمته

فاسيقظت فوجدت الآنية ملأى ماء وقدم الشيخ أبو الفتوح

قال الحافظ وسمعت خطيب بسطام يقول نزلت في حفرة الشيخ أبي الفتوح فكان بين حافتي القبر وصدري أربع أصابع فتناولته وتحيرت من الضيقة فإذا أنا بعد ذلك بسعة كثيرة في القبر وكأنه أخذ من يدي فأخذني الغشي وأصعدت من القبر وأنا لا أعقل

وقال ابن السمعاني وقد ذكره إمام واعظ حلو الكلام حسن الوعظ فصيح العبارة ظريف الجملة

681 محمد بن الفضل بن علي المارشكي الإمام أبو الفتح

ومارشك بفتح الميم بعدها ألف ساكنة ثم راء مكسورة ثم كاف من قرى طوس

وهو من نجباء تلامذة الغزالي

سمع أبا الفتيان الرواسي ونصر الله بن أحمد الخشنامي وأبا عمرو عثمان بن محمد الطرازي وغيرهم

سمع منه ابن السمعاني وولده عبد الرحيم بن السمعاني

قال أبو سعد برع في الفقه وكان مصيبا في الفتاوى حسن الكلام في المسائل عارفا بالأصول

قلت وهو شيخ الشيخ شهاب الدين أحمد الطوسي وكان يلقب بالفخر

توفي يوم عيد الفطر أو في رمضان سنة تسع وأربعين وخمسمائة في فتنة الغز

قيل مات من شدة الخوف

682 محمد بن القاسم بن المظفر بن علي الشهرزوري الموصلي أبو بكر

قاضي الخافقين كذا كان يلقب

ولد بإربل سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة أو سنة أربع

وتفقه ببغداد على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي

وسمع منه ومن أبي نصر الزينبي وعبد العزيز بن علي الأنماطي وأبي بكر بن خلف الشيرازي وأبي حامد أحمد بن محمد الشجاعي وغيرهم ببغداد وبلاد خراسان

روى عنه ابن السمعاني وابن عساكر وعمر بن طبرزد وجماعة

ولي القضاء بعدة بلاد من بلاد الجزيرة والشام

قال ابن السمعاني كان أحد الفضلاء المعروفين

توفي ببغداد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة

683 محمد بن قنان بن حامد بن الطيب أبو الفضل الأنباري

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي وكان من أعيان تلامذته

وكان صهرا لفخر الإسلام أبي بكر الشاشي وخالا لأولاده

ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة

وولي قضاء البصرة والتدريس بالمدرسة النظامية

حدث بيسير عن شيخه أبي إسحاق

روى عنه ولده القاضي أبو المعالي محمد

توفي بالبصرة ليلة الجمعة

ودفن يوم الجمعة حادي عشر رجب سنة ثلاث وخمسمائة

684 محمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد أبو الحسن ابن أبي البقاء ابن الخل البغدادي

أحد أئمة المذهب

ولد سنة خمس وسبعين وأربعمائة

وحدث عن أبي عبد الله النعالي وأبي الخطاب نصر بن البطر وثابت بن بندار وأبي عبد الله البسري وجعفر السراج وأبي بكر الطوسي وأبي غالب الباقلاني وأبي الحسين بن الطيوري وآخرين

روى عنه عبد الخالق بن أسد وأبو سعد بن السمعاني وأحمد بن طارق الكركي والفتح بن عبد السلام وجماعة آخرهم وفاة أبو الحسن القطيعي

وتفقه على فخر الإسلام الشاشي

وصنف توجيه التنبيه وهو أول شرح وضع على التنبيه

وكان بديع الخط يتحيل الناس على أخذ خطة في الفتاوى لحسن خطه لا للحاجة للفتيا

قال ابن السمعاني هو أحد الأئمة الشافعية ببغداد

برع في العلم وهو مصيب في فتاويه وله السيرة الحسنه والطريقة الجميلة خشن العيش تارك للتكلف على طريقة السلف حلس مسجده الذي بالرحبة لا يخرج منه إلا بقدر الحاجة

وقال ابن النجار كان إماما كبيرا في معرفة المذهب ونقل نصوص الشافعي ووجوه أصحابه

وله في النظر والخلاف اليد الباسطة

وكان من الورع والزهد والتقشف في غاية

وقال ابن السمعاني هو الذي تفرد بالفتوى السريجية الساعة ببغداد

قلت كان قد تلقى المسألة السريجية من شيخه فخر الإسلام الشاشي وفخر الإسلام تلقى ذلك من شيخه أبي إسحاق الشيرازي وأبو إسحاق تلقى ذلك من شيخه القاضي أبي الطيب

وقد خرج أبو الرضا أحمد بن طارق بن سنان الكركي لابن الخل مشيخة عن كل شيخ حديث واحد بالسماع وقع لنا منها بعلو الجزء الأول

ومن شعر ابن الخل من أبيات

بلغه عني بأني بعد فرقته ** ماء الشؤون شرابي والضنا زادي

يا منية النفس لا تنسى مودة من ** في قلبه منك هم رائح غاد

توفي في المحرم سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة

أخبرنا ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

685 محمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن الرسولي أبو السعادات

سافر إلى خراسان وجال في بلادها واستوطن بالآخرة أسفراين إلى أن توفي بها

سمع جعفرا السراج وأبا القاسم ابن بيان

وحدث بنيسابور

روى عنه ابن عساكر وابن السمعاني

وله شعر حسن

وتفقه على إلكيا الهراسي

توفي بأسفراين سنة أربع وأربعين وخمسمائة

686 محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود ابن هبة الله ابن أله

بضم الهمزة واللام

العماد الكاتب ويعرف بابن أخي العزيز

من أهل أصبهان

من بيت الرياسة والسؤدد

وهو أحد من مهر في الأدب نظما ونثرا وشاع فيه اسمه

ولد بأصبهان في ثاني جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وخمسمائة

وقدم بغداد فتفقه على أبي منصور بن الرزاز وأتقن الخلاف والنحو والأدب

وسمع من ابن الرزاز وأبي منصور ابن خيرون وأبي الحسن علي بن عبد السلام وأبي بكر بن الأشقر وأبي القاسم علي ابن الصباغ وطائفة

وأجاز له أبو القاسم بن الحصين وأبو عبد الله الفراوي

ثم عاد إلى أصبهان وتفقه بها أيضا علي أبي المعالي الوركاني ومحمد بن عبد اللطيف الخجندي

ثم عاد إلى بغداد واشتغل بصناعة الكتابة

وقدم مصر وسمع من السلفي وغيره

روى عنه ابن خليل والشهاب القوصي والعز عبد العزيز بن عثمان الإربلي والشرف محمد بن إبراهيم بن علي الأنصاري والتاج القرطبي وآخرون

ورد إلى دمشق في أيام الملك نور الدين ودرس بالمدرسة العمادية ثم عاد إلى العراق

ثم لما أخذ صلاح الدين الشام عاد إليها ومدحه ولزم ركابه إلى أن استكتبه وصار يضاهي الوزراء ومرتبته تضاهي مرتبة القاضي الفاضل وإذا انقطع الفاضل بشغل يعرض لازم هو السلطان

ولم يزل عند السلطان صلاح الدين في أعز جانب وأنعم نعمة والدنيا تخدمه والأرزاق يتصرف فيها لسانه وقلمه إلى أن توفي السلطان صلاح الدين وبارت سوق العلم والدين بوفاته استوطن دمشق ولزم مدرسته العمادية

ومن تصانيفه الخريدة والبرق الشامي والفتح القدسي وغير ذلك

قال ابن النجار وكان من العلماء المتقنين فقها وخلافا وأصولا ونحوا ولغة ومعرفة بالتواريخ وأيام الناس

قال وكان من محاسن الزمان لم تر العيون مثله

ثم وصفه بالأدب وصفا كثيرا وهو فيه كما قال وأزيد

وأكثر ما يعاب عليه كثرة استعماله للجناس لا سيما في النثر بحيث تضيق به الأنفاس ويكاد لا يترك للفظة الواحدة مجالا وإنما يحسن الجناس إذا خف على القلب واللسان ولم يتعد المرتين

وقد ذكره صاحبنا شيخ الأدب القاضي صلاح الدين خليل بن أبيك الصفدي رحمه الله وقال بعد أن ذكر قدرته على كل من النظم والنثر أرى أن شعره ألطف من نثره لإكثار الجناس في نثره وأما النظم فكان الوزن فيه يضايقه فلا يدعه يتمكن من الجناس

ثم ذكر من كلام العماد الخالي عن الجناس قوله فلما أراد الله الساعة التي جلاها لوقتها والآية التي لا أخت لها فنقول هي أكبر من أختها أفضت الليلة الماطلة إلى فجرها ووصلت الدنيا الحامل إلى تمام شهرها وجاءت بواحدها الذي تضاف إليه الأعداد وملكها الذي له الأرض بساط والسماء خيمة والحبك أطناب والجبال أوتاد والشمس دينار والقطر دراهم والأفلاك خدم والنجوم أولاد

وقال هذا لما كان خاليا من الجناس عذب في السمع وقعه واتسع في الإحسان صقعه ورشفه اللب مدامه وكان عند من له ذوق أطيب من تغريد حمامه

ثم ذكر من كلامه المشتمل على الجناس قوله من جواب مكاتبة فوقف الخادم عليه وأفاض في شكر فيض فضله المستفيض وتبلج وجه وجاهته وتأرج نبأ نباهته ما عرفه من عوارفه البيض

ثم قال فانظر إلى قلق هذا التركيب وتعسفه في هذا الترتيب

قلت والأمر كما وصف ولقد يمج سمعي فواتح أبواب الخريدة لما يكثر فيها الجناس ورد العجز على الصدر

ولكن قد يقع له الجناس المطبوع وأكثر ما يكون ذلك في شعره كقوله في مطلع قصيدة يمتدح الفاضل ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

وكقوله وقد ساير القاضي الفاضل في الفضاء وقد انتشر الغبار لكثرة فرسان العسكر

أما الغبار فإنه ** مما أثارته السنابك

والحق منه مظلم ** لكن أنارته السنابك

يا دهر لي عبد الرحيم ** فلست أخشى مس نابك

وبينه وبين القاضي الفاضل أدبيات يطول شرحها

ومن لطائفها قوله للقاضي الفاضل وهو يسايره سر فلا كبا بك الفرس

فأجابه القاضي بقوله دام علا العماد

ولا يخفى أن جواب القاضي أرشق وأحلى من كلام العماد وأن بين كلاميهما كما بينهما

توفي العماد بدمشق في مستهل شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة

ومن شعره وذلك بحر لا ساحل له غير أنا نورد من حسنه قليلا

قال يمتدح المستنجد بالله

وما كل شعر مثل شعري فيكم ** ومن ذا يقيس البازل العود بالنقض

وما عز حتى هان شعر ابن هانىء ** وللسنة الغراء عز على الرفض

وقال

أفدي الذي خلبت قلبي لواحظه ** وخلفت لذعات الحب في كبدي

صفات ناظرة سقم بلا ألم ** سكر بلا قدح جرح بلا قود

معشق الدل من تيه ومن صلف ** مرنح العطف من لين ومن سد

على محياه من نار الصبا شعل ** وورد خديه من ماء الحياة ندى

وقال

وما هذه الأيام إلا صحائف ** يورخ فيها ثم يمحى ويمحق

ولم أر في دهرى كدائرة المنى ** توسعها الآمال والعمر ضيق

وقال

اقنع ولا تطمع فإن الفتى ** كماله في عزة النفس

وإنما ينقص بدر الدجى ** لأخذه الضوء من الشمس

وقال

أبصرني مكبلا ** من الغرام ممتحن

فقال من قاتله ** قلت له قائل من

687 محمد بن محمد بن الحسن بن الحسين بن حنكويه بن مردويه ابن هندويه الفارسي أبو عبد الله بن أبي نصر

من أهل فارس

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي

وسمع أبا الحسين ابن النقور وعبد الله بن محمد الصريفيني وأبا القاسم بن البسري وعبد العزيز بن علي الأنماطي وغيرهم

روى عنه أبو عامر العبدري ومحمد بن ناصر الحافظان وغيرهما

وله مجموعات وتواليف وتخاريج

مولده سنة أربعين

ومات في شوال سنة سبع وخمسمائة

ودفن عند قبر أبيه

688 محمد بن محمد بن طاهر بن سعيد بن الشيخ فضل الله الميهني أبو المكارم

689 محمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى أبو هاشم الساوي قاضي مدينة ساوة

مولده يوم الجمعة السابع والعشرين من المحرم سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة

690 محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي

قاضي القضاة محيي الدين أبو حامد ابن قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل ابن الشهرزوري الموصلي

تفقه ببغداد على أبي منصور بن الرزاز

وسمع من عم أبيه أبي بكر محمد بن القاسم

كتب عنه القاضي أبو عبد الله محمد بن علي الأنصاري

قدم الشام وناب في الحكم عن أبيه ثم ولي قضاء حلب ثم انتقل إلى الموصل وولي قضاءها ودرس بمدرسة أبيه وبالمدرسة النظامية بها وتمكن من الملك عز الدين مسعود بن زنكي

وكان جوادا سريا

قيل إنه أنعم في بعض رسائله إلى بغداد بعشرة الآف دينار أميرية على الفقهاء والأدباء والشعراء

ويقال إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريما على دينارين فما دونهما بل كان يوفيهما عنه

ومن شعره في جرادة

لها فخذا بكر وساقا نعامة ** وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم

حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ** عليها جياد الخيل بالرأس والفم

وقال أيضا

قامت بإثبات الصفات أدلة ** قصمت ظهور جماعة التعطيل

وطلائع التنزيه لما أقبلت ** هزمت ذوي التشبيه والتمثيل

فالحق ما صرنا إليه جميعا ** بأدلة الأخبار والتنزيل

من لم يكن بالشرع مقتديا فقد ** ألقاه فرط الجهل بالتضليل

توفي في رابع عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة وله اثنتان وستون سنة بالموصل

691 محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي سهل بن أبي طلحة المروزي الحافظ أبو طاهر السنجي المؤذن الخطيب

ولد بقرية سنج العظمى في سنة ثلاث وستين وأربعمائة أو قبلها

وسمع الكثير

ورحل إلى نيسابور وبغداد وأصبهان

وتفقه على الإمام أبي المظفر السمعاني وعلي أبي الفرج الزاز

وسمع إسماعيل بن محمد الزاهري وأبا بكر محمد بن علي الشاشي الفقيه وعلي بن أحمد المديني ونصر الله بن أحمد الخشنامي وفيد بن عبد الرحمن الشعراني وثابت ابن بندار وجعفر السراج وأبا بكر أحمد بن محمد بن الحافظ بن مردويه وخلقا سواهم

روى عنه ابن السمعاني وولده عبد الرحيم

قال أبو سعد بن السمعاني كان من أخص أصحاب والدي في الحضر والسفر

سمع الكثير معه ونسخ لنفسه ولغيره

وله معرفة بالحديث

وهو ثقة دين قانع بما هو فيه كثير التلاوة

حج مع والدي وكان يتولى أموري بعد والدي

وسمعت من لفظه الكثير

وكان يتولى الخطابة بمرو في الجامع الأقدم

توفي في شوال سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

قلت ولهم شيخ آخر اسمه محمد بن أبي بكر بن عثمان أبو طاهر السبخي

فقيه صالح

من أصحاب يوسف الهمذاني الزاهد وإبراهيم الصفار الزاهد

وهو أيضا من شيوخ ابن السمعاني وولده عبد الرحيم

مات ببخارى

سنة خمس وخمسين وخمسمائة

فينبغي أن يتفطن له لئلا يشتبه بهذا

692 محمد بن محمد بن علي بن محمد الهمذاني أبو الفتوح الطائي

صاحب الأربعين الطائية التي أخبرنا بجميعها أبو عبد الله الحافظ بقراءتي عليه بالسند إليه وقد خرجنا منها الكثير في هذا الكتاب وهي من أحلى ما وضع في النوع

ولدفي سنة خمس وسبعين وأربعمائة بهمذان

وسمع فيد بن عبد الرحمن الشعراني وعبد الرحمن بن حمد الدوني وظريف بن محمد وعبد الغفار الشيروي والروياني وتاج الإسلام أبا بكر بن السمعاني وشيرويه الديلمي وابن طاهر المقدسي وأبا القاسم بن بيان الرزاز

روى عنه محمد بن عبد الله بن البناء الصوفي والحسين بن الزبيدي وجماعة آخرهم ابن اللتي

قال ابن السمعاني يرجع إلى نصيب من العلوم فقها وحديثا وأدبا ووعظا وغير ذلك

تفقه على والدي بمرو وأقام عنده سنين

كتبت عنه في الرحلة إلى همذان

توفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة

693 محمد بن محمد بن علي الخزيمي بالخاء المعجمة المضمومة والزاي منسوب إلى ابن خزيمة لكونه من ذريته الفراوي أبو الفتح الواعظ

نزيل الري

عقد له ببغداد مجلس الوعظ والحديث

واستملى عليه أبو بكر بن الخاضبة

سمع عبد الغافر الفارسي وأبا الخير محمد بن أبي عمران الصفار وأبا القاسم القشيري

روى عنه محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام وسعد الله بن محمد الدقاق وغيرهما

وكان حسن الوعظ مليح الإشارة

قال ابن الجوزي لكنه كان روى الكثير من الموضوعات

قال وكذلك مجالس الغزالي وابن العبادي فيها العجائب والمعاني التي لا توافق الشريعة وأطال في ذلك

وليس الأمر مسلما لابن الجوزي فلم نر في كلام أحد منهم ما يخالف الشرع وأما راوية الحديث الموضوع فقد يقع في كلامهم وما ذلك إلا لعدم معرفتهم بكونه موضوعا فلا يعاب عليهم والحالة هذه وليس ابن الجوزي عندنا بحيث يتكلم في مثل هؤلاء

توفي الخزيمي بالري في المحرم سنة أربع عشرة وخمسمائة

694 محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الإمام الجليل أبو حامد الغزالي

حجة الإسلام ومحجة الدين التي يتوصل بها إلى دار السلام

جامع أشتات العلوم والمبرز في المنقول منها والمفهوم

جرت الأئمة قبله بشأو ولم تقع منه بالغاية ولا وقف عند مطلب وراءه مطلب لأصحاب النهاية والبداية

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ** وليس وراء الله للمرء مذهب

حتى أخمل من القرناء كل خصم بلغ مبلغ السها وأخمد من نيران البدع كل ما لا تستطيع أيدي المجالدين مسها

كان رضي الله عنه ضرغاما إلا أن الأسود تتضاءل بين يديه وتتوارى وبدرا تماما إلا أن هداه يشرق نهارا وبشرا من الخلق ولكنه الطود العظيم وبعض الخلق لكل مثل ما بعض الحجر الدر النظيم

جاء والناس إلى رد فرية الفلاسفة أحوج من الظلماء لمصابيح السماء وأفقر من الجدباء إلى قطرات الماء فلم يزل يناضل عن الدين الحنيفي بجلاد مقاله ويحمى حوزه الدين ولا يلطخ بدم المعتدين حد نصاله حتى أصبح الدين وثيق العرى وانكشفت غياهب الشبهات وما كانت إلا حديثا مفترى

هذا مع ورع طوى عليه ضميره وخلوة لم يتخذ فيها غير الطاعة سميره وتجريد تراه به وقد توحد في بحر التوحيد وباهى

ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ** والزاد حتى نعله ألقاها

ترك الدنيا وراء ظهره وأقبل على الله يعامله في سره وجهره

ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة

وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس فلما حضرته الوفاة وصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال له إن لي لتأسفا عظيما على تعلم الخط وأشتهى استدارك ما فاتني في ولدي هذين فعلمهما ولا عليك أن تنفذ في ذلك جميع ما أخلفه لهما

فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى أن فنى ذلك النزر اليسير الذي كان خلفه لهما أبوهما وتعذر على الصوفي القيام بقوتهما فقال لهما اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما به وأصلح ما أرى لكما أن تلجآ إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما

ففعلا ذلك وكان هو السبب في سعادتهما وعلو درجتهما

وكان الغزالي يحكي هذا ويقول طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله

ويحكى أن أباه كان فقيرا صالحا لا يأكل إلا من كسب يده في عمل غزل الصوف ويطوف على المتفقهة ويجالسهم ويتوفر على خدمتهم ويجد في الإحسان إليهم والنفقة بما يمكنه وأنه كان إذا سمع كلامهم بكى وتضرع وسأل الله أن يرزقه ابنا ويجعله فقهيا ويحضر مجالس الوعظ فإذا طاب وقته بكى وسأل الله أن يرزقه ابنا واعظا فاستجاب الله دعوتيه

أما أبو حامد فكان أفقه أقرانه وإمام أهل زمانه وفارس ميدانه كلمته شهد بها الموافق والمخالف وأقر بحقيتها المعادى والمحالف

وأما أحمد فكان واعظا تنفلق الصم الصخور عند استماع تحذيره وترعد فرائض الحاضرين في مجالس تذكيره

مبدأ طلب حجة الإسلام العلم

قرأ في صباه طرفا من الفقه ببلده على أحمد بن محمد الراذكاني

ثم سافر إلى جرجان إلى الإمام أبي نصر الإسماعيلي وعلق عنه التعليقة

ثم رجع إلى طوس

قال الإمام أسعد الميهني فسمعته يقول قطعت علينا الطريق وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا فتبعتهم فالتفت إلى مقدمهم وقال ارجع ويحك وإلا هلكت

فقلت له أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد على تعليقتي فقط فما هي بشيء تنتفعون به

فقال لي وما هي تعليقتك

فقلت كتبت في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها

فضحك وقال كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم

ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلى المخلاة

قال الغزالي فقلت هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته وصرت بحيث لو قطع على الطريق لم أتجرد من علمي

وقد روى هذه الحكاية عن الغزالي أيضا الوزير نظام الملك كما هو مذكور في ترجمة نظام الملك من ذيل ابن السمعاني

ثم إن الغزالي قدم نيسابور ولازم إمام الحرمين وجد واجتهد حتى برع في المذهب والخلاف والجدل والأصلين والمنطق وقرأ الحكمة والفلسفة وأحكم كل ذلك

وفهم كلام أرباب هذه العلوم وتصدى للرد على مبطليهم وإبطال دعاويهم

وصنف في كل فن من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها وأجاد وضعها وترصيفها

كذا نقل النقلة وأنا لم أر له مصنفا في أصول الدين بعد شدة الفحص إلا أن يكون قواعد العقائد وعقائد صغرى وأما كتاب مستقل على قاعدة المتكلمين فلم أره وسأعقد فصلا لأسماء ما وقفت عليه من تصانيفه

وكان رضي الله عنه شديد الذكاء سديد النظر عجيب الفطرة مفرط الإدراك قوي الحافظة بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة جبل علم مناظرا محجاجا

وكان إمام الحرمين يصف تلامذته فيقول الغزالي بحر مغدق وإليكا أسد مخرق والخوافي نار تحرق

ويقال إن الإمام كان بالآخرة يمتعض منه في الباطن وإن كان يظهر التبجح به في الظاهر

ثم لما مات إمام الحرمين خرج الغزالي إلى المعسكر قاصدا للوزير نظام الملك إذ كان مجلسه مجمع أهل العلم وملاذهم فناظر الأئمة العلماء في مجلسه وقهر الخصوم وظهر كلامه عليهم واعترفوا بفضله وتلقاه الصاحب بالتعظيم والتبجيل وولاه تدريس مدرستة ببغداد وأمره بالتوجه إليها

فقدم بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمائة ودرس بالنظامية وأعجب الخلق حسن كلامه وكمال فضله وفصاحة لسانه ونكته الدقيقة وإشاراته اللطيفة وأحبوه

وأقام على التدريس وتدريس العلم ونشره بالتعليم والفتيا والتصنيف مدة عظيم الجاه زائد الحشمة عالي الرتبة مسموع الكلمة مشهور الاسم تضرب به الأمثال وتشد إليه الرحال إلى أن عزفت نفسه عن رذائل الدنيا فرفض ما فيها من التقدم والجاه وترك كل ذلك وراء ظهره وقصد بيت الله الحرام

فخرج إلى الحج في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين واستناب أخاه في التدريس

ودخل دمشق في سنة تسع وثمانين فلبث فيها يويمات يسيرة على قدم الفقر

ثم توجه إلى بيت المقدس فجاور به مدة

ثم عاد إلى دمشق واعتكف بالمنارة الغربية من الجامع وبها كانت إقامته على ما ذكر الحافظ ابن عساكر فيما نقله عنه الذهبي ولم أجده في كلامه

وكان الغزالي يكثر الجلوس في زاوية الشيخ نصر المقدسي بالجامع الأموي المعروفة اليوم بالغزالية نسبة إليه وكانت تعرف قبلة بالشيخ نصر المقدسي

قال لحافظ ابن عساكر أقام الغزالي بالشام نحوا من عشرين سنة كذا نقل شيخنا الذهبي ولم أجد ذلك في كلام ابن عساكر لا في تاريخ الشام ولا في التبيين ويحكى هنا حكايات منها أنه قصد الاجتماع بالشيخ نصر وأنه لم يدخل دمشق إلا يوم وفاته فصادف أنه دخل إلى الجامع وهو لابس زي الفقراء فاتفق جلوسه في الزاوية المشار إليها فبعد هنيهة أتى جماعة من طلبة العلم وشاكلوه في العلوم بعد أن تأملوه ونظروا إليه مليا فوجدوه بحرا لا ينزف

فقال لهم ما فعل الشيخ نصر المقدسي قالوا توفي وهذا مجيئنا من مدفنه وكان لما حضرته الوفاة سألناه من يخلفك في حلقتك فقال إذا فرغتم من دفني عودوا إلى الزاوية تجدوا شخصا أعجميا ووصفك لنا أقروه منى السلام وهو خليفتي

وهذه الحكاية لم تثبت عندي ووفاة الشيخ نصر كانت سنة تسعين وأربعمائة وإن صحت فلعل ذلك عند عوده إلى دمشق من القدس وإلا فقد كان اجتماعه به ممكنا لما دخل دمشق سنة تسع وثمانين قبل وفاة الشيخ نصر بسنة

وصرح شيخنا الذهبي بأن الغزالى جالس نصرا

قلت والذي أوصى نصر المقدسي به أن يخلفه بعده هو نصر الله المصيصي تلميذه

ومنها أنه لما دخلها على زي الفقراء جلس على باب الخانقاه السميساطية إلى أن أذن له فقير مجهول لا يعرف وابتدأ بكنس الميضات ألتي للخانقاه وخدمتها واتفق أن جلس يوما في صحن الجامع الأموي وجماعة من المفتين يتمشون في الصحن وإذا بقروي أتاهم مستفتيا ولم يردوا عليه جوابا والغزالي يتأمل فلما رأى الغزالي أنه لا أحد عنده جوابه ويعز عليه عدم إرشاده دعاه وأجابه

فأخذ القروي يهزأ به ويقول إن كبار المفتين ما أجابوني وهذا فقير عامي كيف يجيبني وأولئك المفتون ينظرونه

فلما فرغ من كلامه معه دعوا القروي وسألوه ما الذي حدثك به هذا العامي فشرح لهم الحال

فجاءوا إليه وتعرفوا به واحتاطوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلسا فوعدهم إلى ثاني يوم وسافر من ليلته رضي الله عنه

ومنها أنه صادف دخوله يوما المدرسة الأمينية فوجد المدرس يقول قال الغزالي وهو يدرس من كلامه

فخشي الغزالي على نفسه العجب ففارق دمشق وأخذ يجول في البلاد فدخل منها إلى مصر وتوجه منها إلى الإسكندرية فأقام بها مدة

وقيل إنه عزم على المضي إلى السلطان يوسف بن تاشفين سلطان المغرب لما بلغه من عدله فبلغه موته

واستمر يجول في البلدان ويزور المشاهد ويطوف على التراب والمساجد ويأوى القفار ويروض نفسه ويجاهدها جهاد الأبرار ويكلفها مشاق العبادات بأنواع القرب والطاعات إلى أن صار قطب الوجود والبركة العامة بكل موجود والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن والسبيل المنصوب إلى مركز الإيمان

ثم رجع إلى بغداد وعقد بها مجلس الوعظ وتكلم على لسان أهل الحقيقة وحدث بكتاب الإحياء

قال ابن النجار ولم يكن له إسناد ولا طلب شيئا من الحديث لم أر له إلا حديثا واحدا سيأتي ذكره في هذا الكتاب يعني تاريخه

قلت ولم أره ذكر هذا الحديث بعد ذلك

وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ بحديث من حديثه سنذكره

وذكر الحافظ ابن عساكر أنه سمع صحيح البخاري من أبي سهل محمد ابن عبد الله الحفصي

وذكر عبد الغافر له مسموعات سنذكرها في كلام عبد الغافر

ثم عاد الغزالي إلى خراسان ودرس بالمدرسة النظامية بنيسابور مدة يسيرة وكل قلبه معلق بما فتح عليه من الطريق

ثم رجع إلى مدينة طوس واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وخانقاه للصوفية

ووزع أوقاته على وظائف من ختم القرآن ومجالسة أرباب القلوب والتدريس لطلبة العلم وإدامة الصلاة والصيام وسائر العبادات إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى ورضوانه طيب الثناء أعلى منزلة من نجم السماء لا يكرهه إلا حاسد أو زنديق ولا يسومه بسوء إلا حائد عن سواء الطريق ينشدهم لسان حاله

وإن تكنفني من شرهم غسق ** فالبدر أحسن إشراقا مع الظلم

وإن رأوا بخس فضلى حق قيمته ** فالدر در وإن لم يشر بالقيم

وكانت وفاته قدس الله روحه بطوس يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة

ومشهده بها يزار بمقبرة الطابران

قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الثبات عند الممات قال أحمد أخو الإمام الغزالي لماكان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد وصلى وقال علي بالكفن فأخذه وقبله ووضعه على عينيه وقال سمعا وطاعة للدخول على الملك

ثم مدرجليه واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار قدس الله روحه

فهذه ترجمة مختصرة يقنع بها طالب الاختصار وإذا أبيت إلا البسط في شرح حال هذا النجم الذي تشرف الأوراق يذاكره ويعبق الوجود برياه فنقول

ومن كلام أهل عصره فيه

قد قدمنا كلام شيخه إمام الحرمين وقوله الغزالي بحر مغدق

وقال الحافظ أبو طاهر السلفي سمعت الفقهاء يقولون كان الجويني يعني إمام الحرمين يقول في تلامذته إذا ناظروا التحقيق للخوافي والحدسيات للغزالي والبيان للكيا

وقال تلميذه الإمام محمد بن يحيى الغزالي هو الشافعي الثاني

وقال أسعد الميهني لا يصل إلى معرفة علم الغزالي وفضله إلا من بلغ أو كاد يبلغ الكمال في عقله

قلت يعجبني هذا الكلام فإن الذي يحب أن يطلع على منزله من هو أعلى منه في العلم يحتاج إلى العقل والفهم فبالعقل يميز وبالفهم يقضي ولما كان علم الغزالي في الغاية القصوى احتاج من يريد الاطلاع على مقداره فيه أن يكون هو تام العقل

وأقول لا بد مع تمام العقل من مداناة مرتبته في العلم لمرتبة الآخر وحينئذ فلا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالي قدر الغزالي ولا مقدار علم الغزالي إلا بمقدار علمه أما بمقدار علم الغزالي فلا إذ لم يجيء بعده مثله ثم المداني له إنما يعرف قدره بقدر ما عنده لا بقدر الغزالي في نفسه

سمعت الشيخ الإمام رحمه الله يقول لا يعرف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رتبته وخالطه مع ذلك

قال وإنما يعرف قدره بمقدار ما أوتيه هو

وكان يقول لنا لا أحد من الأصحاب يعرف قدر الشافعي كما يعرفه المزني

قال وإنما يعرف المزني من قدر الشافعي بمقدار قوى المزني والزائد عليها من قوى الشافعي لم يدركه المزني

وكان يقول لنا أيضا لا يقدر أحد النبي حق قدره إلا الله تعالى وإنما يعرف كل واحد من مقداره بقدر ما عنده هو

قال فأعرف الأمة بقدره أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأنه أفضل الأمة

قال وإنما يعرف أبو بكر من مقدار المصطفى ما تصل إليه قوى أبي بكر وثم أمور تقصر عنها قواه لم يحط بها علمه ومحيط بها علم الله

ذكر كلام عبد الغافر الفارسي

وأنا أرى أن أسوقه بكماله على نصه حرفا فإن عبد الغافر ثقة معاصر عارف

وقد تخرب الحاكون لكلامه حزبين فمن ناقل لبعض الممادح وحاك لجميع ما أورده مما عيب على حجة الإسلام الغزالي وذلك صنيع من يتعصب على حجة الإسلام وهو شيخنا الذهبي فإنه ذكر بعض الممادح نقلا معجرف اللفظ محكيا بالمعنى غير مطابق في الأكثر ولما انتهى إلى ما ذكره عبد الغافر مما عيب عليه استوفاه ثم زاد ووشح وبسط ورشح

ومن ناقل لكل الممادح ساكت عن ذكر ما عيب به وهو الحافظ أبو القاسم بن عساكر وسأبحث عن سبب فعله ذلك

وأما أنا فأورد جميعه ثم أتكلم عليه وأسأل الله التوفيق والحماية من الميل

قال أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الخطيب الفارسي خطيب نيسابور محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي حجة الإسلام والمسلمين إمام أئمة الدين من لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا

شدا طرفا في صباه بطوس من الفقه على الإمام أحمد الراذكاني

ثم قدم نيسابور مختلفا إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان من طوس

وجد واجتهد حتى تخرج عن مدة قريبة وبذ الأقران

وحمل القرآن وصار أنظر أهل زمانه وواحد أقرانه في أيام إمام الحرمين

وكان الطلبة يستفيدون منه ويدرس لهم ويرشدهم ويجتهد في نفسه

وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف

وكان الإمام مع علو درجته وسمو عبارته وسرعة جريه في النطق والكلام لا يصفي نظره إلى الغزالي سرا لإنافته عليه في سرعة العبارة وقوة الطبع ولا يطيب له تصدية للتصانيف وإن كان متخرجا به منتسبا إليه كما لا يخفى من طبع البشر ولكنه يظهر التبجح به والاعتداد بمكانه ظاهرا خلاف ما يضمره

ثم بقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام فخرج من نيسابور وصار إلى المعسكر واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته وظهور اسمه وحسن مناظرته وجري عبارته

وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء ومقصد الأئمة والفصحاء فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة وملاقاة الخصوم اللد ومناظرة الفحول ومنافرة الكبار

وظهر اسمه في الآفاق وارتفق بذلك أكمل الارتفاق حتى أدت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد للقيام بتدريس المدرسة الميمونة النظامية بها فصار إليها وأعجب الكل بتدريسه ومناظرته وما لقي مثل نفسه وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق

ثم نظر في علم الأصول وكان قد أحكمها فصنف فيه تصانيف

وجدد المذهب في الفقه فصنف في تصانيف

وسبك الخلاف فحرر فيه أيضا تصانيف

وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والأمراء ودار الخلافة

فانقلب الأمر من وجه آخر وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة وممارسة الكتب المصنفة فيها وسلك طريق التزهد والتأله وترك الحشمة وطرح ما نال من الدرجة والاشتغال باسباب التقوى وزاد الآخرة

فخرج عما كان فيه وقصد بيت الله وحج

ثم دخل الشام وأقام في تلك الديار قريبا من عشر سنين يطوف ويزور المشاهد المعظمة

وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إليها مثل إحياء علوم الدين والكتب المختصرة منها مثل الأربعين وغيرها من الرسائل التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم

وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشمائل وتهذيب المعاش فانقلب شيطان الرعونة وطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق والفراغ عن الرسوم والترتيبات والتزيى بزي الصالحين وقصر الأمل ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة أو التيقظ لشيء من أنوار المشاهدة حتى مرن على ذلك ولان

ثم عاد إلى وطنه لازما بيته مشتغلا بالتفكير ملازما للوقت مقصودا نفيسا وذخرا للقلوب ولكل من يقصده ويدخل عليه

إلى أن أتى على ذلك مدة وظهرت التصانيف وفشت الكتب ولم تبد في أيامه مناقضة لما كان فيه ولا اعتراض لأحد على ما آثره حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل فخر الملك جمال الشهداء تغمده الله برحمته وتزينت خراسان بحشمته ودولته وقد سمع وتحقق بمكان الغزالي ودرجته وكمال فضله وحالته وصفاء عقيدته ونقاء سيرته فتبرك به وحضره وسمع كلامه فاستدعى منه أن لا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لا استفادة منها ولا اقتباس من أنوارها وألح عليه كل الإلحاح وتشدد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج وحمل إلى نيسابور

وكان الليث غائبا عن عرينه والأمر خافيا في مستور قضاء الله ومكنونه فأشير عليه بالتدريس في المدرسة الميمونة النظامية عمرها الله فلم يجد بدا من الإذغان للولاة ونوى بإظهار ما اشتغل به هداية الشداة وإفادة القاصدين دون الرجوع إلى ما انخلع عنه وتحرر عن رقة من طلب الجاه ومماراة الأقران ومكابرة المعاندين وكم قرع عصاة بالخلاف والوقوع فيه والطعن فيما يذره ويأتيه

والسعاية به والتشنيع عليه فما تأثر به ولا اشتغل بجواب الطاعنين ولا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين

ولقد زرته مرارا وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزمان عليه من الزعارة وإيحاش الناس والنظر اليهم بعين الازدراء والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء واغترارا بما رزق من البسطة في النطق والخاطر والعبارة وطلب الجاه والعلو في المنزلة أنه صار على الضد وتصفى عن تلك الكدورات

وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف متنمس بما صار إليه فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون وأن الرجل أفاق بعد الجنون

وحكى لنا في ليال كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله

وغلبت الحال عليه بعد تبحره في العلوم واستطالته على الكل بكلامه والاستعداد الذي خصه الله به في تحصيل أنواع العلوم وتمكنه من البحث والنظر حتى تبرم من الاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة

وتفكر في العاقبة وما يجدي وما ينفع في الآخرة فابتدأ بصحبة الفارمذي وأخذ منه استفتاح الطريقة وامتثل ماكان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات والإمعان في النوافل واستدامة الأذكار والجد والاجتهاد طلبا للنجاة إلى أن جاز تلك العقبات وتكلف تلك المشاق وما تحصل على ما كان يطلبه من مقصوده

ثم حكى أنه راجع العلوم وخاض في الفنون وعاود الجد والاجتهاد في كتب العلوم الدقيقة والتقى بأربابهاحتى انفتح له أبوابها وبقي مدة في الوقائع وتكافؤ الأدلة وأطراف المسائل

ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء وحمله على الإعراض عما سواه حتى سهل ذلك

وهكذا هكذا إلى أن ارتاض كل الرياضة وظهرت له الحقائق وصار ما كنا نظن به ناموسا وتخلقا طبعا وتحققا وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من الله تعالى

ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور فقال معتذرا عنه ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ومنفعة الطالبين بالإفادة وقد حق علي أن أبوح بالحق وأنطق به وأدعو إليه

وكان صادقا في ذلك

ثم ترك ذلك قبل أن يترك وعاد إلي بيته واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم وخانقاه للصوفية

وكان قد وزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة إلى أن أصابه عين الزمان وضنت الأيام به على أهل عصره فنقله الله إلى كريم جواره بعد مقاساة أنواع من القصد والمناوأة من الخصوم والسعي به إلى الملوك وكفاية الله به وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النكبات أو ينهتك ستر دينه بشيء من الزلات

وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين البخاري ومسلم اللذين هما حجة الإسلام ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله

ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية واشتغل في آخر عمره بسماعها ولم تتفق له الرواية ولا ضرر فيما خلفه من الكتب المصنفة في الأصول والفروع وسائر الأنواع تخلد ذكره وتقرر عند المطالعين المستفيدين منها أنه لم يخلف مثله بعده مضى إلى رحمة الله تعالى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة

ودفن بظاهر قصبة طابران

والله تعالى يخصه بأنواع الكرامة في آخرته كما خصه بفنون العلم في دنياه بمنه

ولم يعقب إلا البنات

وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته ونفقة أهله وأولاده فما كان يباسط أحد في الأمور الدنيوية وقد عرضت عليه أموال فما قبلها وأعرض عنها واكتفى بالقدر الذي يصون به دينه ولا يحتاج معه إلى التعرض لسؤال ومنال من غيره

ومما كان يعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو يقع في أثناء كلامه وروجع فيه فأنصف من نفسه واعترف بأنه ما مارس ذلك الفن واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه مع أنه كان يؤلف الخطب ويشرح الكتب بالعبارات التي تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها وأذن للذين يطالعون كتبه فيعثرون على خلل فيها من جهة اللفظ أن يصلحوه ويعذروه فما كان قصده إلا المعاني وتحقيقها دون الألفاظ وتلفيقها

ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتاب كيمياء السعادة والعلوم وشرح بعض الصور والمسائل بحيث لا يوافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الإسلام وكان الأولى به والحق أحق أن يقال ترك ذلك التصنيف والإعراض عن الشرح به فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج فإذا سمعوا شيئا من ذلك تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم وينسبون ذلك إلى بيان مذاهب الأوائل

على أن المصنف اللبيب إذا رجع إلى نفسه علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه إشارات الشرع وإن لم يبح به ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة مرموزة ومصرحا بها متفرقة وليس لفظ منه إلا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهم فإنه يشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة

فلا يجب إذا حمله إلا على ما يوافق ولا ينبغي أن يتعلق به في الرد عليه متعلق إذا أمكنه أن يبين له وجها في الصحة يوافق الأصول

على أن هذا القدر يحتاج إلى من يظهره وكان الأولى أن يترك الإفصاح بذلك كما تقدم ما ذكره وليس كما يتقرر ويتمشى لأحد تقريره ينبغي أن يظهره بل أكثر الأشياء مما يدري ويطوي ولا يحكى فعلى ذلك درج الأولون وعبر السلف الصالحون إبقاء على مراسم الشرع وصيانة لمعالم الدين عن طعن الطاعنين وعيره المارقين الجاحدين والله الموفق للصواب

وقد سمعت أنه سمع من سنن أبي داود السجستاني عن الحاكم أبي الفتح الحاكمي الطوسي وما عثرت على سماعه وسمع من الأحاديث المتفرقة اتفاقا مع الفقهاء

فمما عثرت عليه ما سمعه من كتاب لمولد النبي من تأليف أبي بكر أحمد ابن عمرو بن أبي عاصم الشيباني رواية الشيخ أبي بكر محمد بن الحارث الأصبهاني الإمام عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان عن المصنف

وقد سمعه الإمام الغزالي من الشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد الخواري خوار طبران رحمه الله مع ابنيه الشيخين عبد الجبار وعبد الحميد وجماعة من الفقهاء

ومن ذلك ما قال أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد الخواري أخبرنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني أخبرنا أبو محمد بن حيان أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت حدثنا الزبير ابن موسى عن أبي الحويرث قال سمعت عبد الملك بن مروان سأل قباث بن أشيم الكناني أنت أكبر أم رسول الله

فقال رسول الله أكبر مني وأنا أسن منه ولد رسول الله عام الفيل

وتمام الكتاب في جزأين مسموع له

انتهى كلام عبد الغافر

وقد ساق الحافظ ابن عساكر من أوله إلى قوله ومما كان يعترض به عليه وترك الباقي فعل ذلك في تاريخ الشام وفي كتاب التبيين

فإن قلت هل ذلك من الحافظ تعصب له كما أن ما فعله الذهبي تعصب عليه قلت يحتمل أن يكون الأمر كذلك ويحتمل أن يكون لكونه لم ير إشاعة ذلك عن مثل هذا الإمام مع القطع بأنه غير قادح فيه وأما الذهبي فإنه ذكر ذلك وضم إليه ما شاء وسأوقفك عليه وسأتكلم على ما عيب به هذا الإمام بعد نجاز الغرض من ذكر ما أنا بصدده إن شاء الله تعالى

ومن كلام المترجمين لحجة الإسلام رحمه الله وأكثرهم اجتزأ بكلام عبد الغافر

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر كان إماما في علم الفقه مذهبا وخلافا وفي أصول الديانات

وسمع صحيح البخاري من أبي سهل محمد بن عبد الله الحفصي

وولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد

ثم خرج إلى الشام زائر لبيت المقدس فقدم دمشق في سنة تسع وثمانين وأربعمائة وأقام بها مدة وبلغني أنه صنف بها بعض مصنفاته ثم رجع إلى بغداد ومضى إلى خراسان ودرس مدة بطوس ثم ترك التدريس والمناظرة واشتغل بالعبادة

وقال الحافظ أبو سعد بن السمعاني فيه من لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا

ثم اندفع في نحو مما ذكره عبد الغافر من الممادح ولم يتعرض لذكر شيء من الفصل الأخير

وذكر أنه استدعى بأبي الفتيان عمر بن أبي الحسن الرواسي الحافظ الطوسي وأكرمه وسمع عليه صحيحي البخاري ومسلم

قال وما أظن أنه حدث بشيء وإن حدث فيسير لأن رواية الحديث ما انتشرت عنه

انتهى

وقد أوجب لي عدم ذكره لشيء من الفصل الأخير الذي ذكره عبد الغافر وكذلك عدم ذكر ابن عساكر له مع تبري ابن عساكر دائما حيث أمكنه عن الغرض ونقله أبدا ماله وما عليه ومع تعرضه لما ذكره عبد الغافر في الفصل الأخير لسماع الغزالي ما اسمعه واقتصاره على أنه استدعى الرواسي لسماع الصحيحين مع كون هذا الفصل لم يذكره عبد الغافر إلا بعد نجاز الترجمة وذكر الوفاة وليس ذلك بمعتاد والمعتاد ختم التراجم بالوفاه وموضع هذا الفصل أثناء الترجمة كل ذلك أن أظن أنه اختلق على عبد الغافر ودس في كتابه فالله أعلم بذلك على أنه ليس فيه كبير أمر كما سنبحث عنه

وقال ابن النجار إمام الفقهاء على الإطلاق ورباني الأمة بالاتفاق ومجتهد زمانه وعين وقته وأوانه ومن شاع ذكره في البلاد واشتهر فضله بين العباد واتفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه وتوقيره وتكريمه وخافه المخالفون وانقهر بحججه وأدلته المناظرون وظهرت بتنقيحاته فضائح المبتدعة والمخالفين وقام بنصر السنة وإظهار الدين وسارت مصنفاته في الدنيا مسير الشمس في البهجة والجمال وشهد له المخالف والموافق بالتقدم والكمال

انتهى

وفي كلام المترجمين كثرة فلا نطيل ففيما ذكرناه مقنع وبلاغ

ذكر بقايا من ترجمته رضي الله عنه

قال ابن السمعاني قرأت في كتاب كتبه الغزالي إلى أبي حامد بن أحمد بن سلامة بالموصل فقال في خلال فصوله أما الوعظ فلست أرى نفسي أهلا له لأن الوعظ زكاة نصابه الاتعاظ فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة وفاقد الثوب كيف يستر به غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني

وقال أيضا سمعت أبا سعيد محمد بن أسعد بن محمد بن الخليل النوقاني بمرو ومذاكرة في دارنا يقول حضرت درس الإمام أبي حامد الغزالي لكتاب إحياء علوم الدين فأنشد

وحبب أوطان الرجال إليهم ** مآرب قضاها الفؤاد هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ** عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

قال فبكى وأبكى الحاضرين

وقال أيضا سمعت أبا نصر الفضل بن الحسن بن علي المقري مذاكرة بمرو يقول دخلت على الإمام الغزالي مودعا فقال لي احمل هذا الكتاب إلى المعين النائب أبي القاسم البيهقي

ثم قال لي وفيه شكاية على العزيز المتولي للأوقاف بطوس وكان ابن أخي المعين فقلت له كنت بهراة عند عمه المعين وكان العماد الطوسي جاء بمحضر في الثناء على العزيز وعليه خطك وكان عمه قد طرده وهجره فلما رأى شكرك وثناءك عليه قربه ورضى عنه

فقال الإمام الغزالي سلم الكتاب إلى المعين واقرأ عليه هذا البيت وأنشد

ولم أر ظلما مثل ظلم ينالنا ** يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر

وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد المنعم العبدري المؤذن رأيت بالإسكندرية في سنة خمسمائة في إحدى شهري المحرم أو صفر فيما يرى النائم كأن الشمس طلعت من مغربها فعبر ذلك بعض المعبرين ببدعة تحدث فيهم فبعد أيام وصلت المراكب بإحراق كتب الإمام أبي حامد الغزالي بالمرية

وعن الإمام فخر الإسلام أبي بكر الشاشي لما ولي نظام الملك أبا حامد درس النظامية ببغداد وقدم إليها في سنة أربع وثمانين وأربعمائة اجتمع عليه الفقهاء وقالوا له قد علم سيدنا أن العادة أن من درس بهذه البقعة عمل دعوة للفقهاء ويحضرهم سماعا ونريد أن تكون دعوتك كرتبتك في العلم

فقال الغزالي سمعا وطاعة لكن على أحد أمرين إما أن يكون التقدير إليكم والتعيين لي أو بالعكس

فقالوا بل التقدير إليك والتعين لنا فنريد الدعوة اليوم

فقال لهم فالتقدير حينئذ مني على حسب ما يمكنني وهو خبز وخل وبقل

فقالوا لا والله بل التعيين لك والتقدير لنا ونريد أن يكون في هذه الدعوة من الدجاج كذا ومن الحلو كذا

فقال سمعا وطاعة والتعيين بعد سنتين

فقالوا قد عجزنا وسلمنا الكل إليك لعلمنا أننا إن جرينا معك على قاعدة النظر حلت بيننا وبين الظفر من هذه الدعوة بقضاء الوطر

وكان في زماننا شخص يكره الغزالي يذمه ويستعيبه في الديار المصرية فرأى النبي في المنام وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما بجانبه والغزالي جالس بين يديه وهو يقول يا رسول الله هذا يتكلم في وأن النبي قال هاتوا السياط وأمر به فضرب لأجل الغزالي وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره ولم يزل وكان يبكي ويحكيه للناس

وسنحكي منام أبي الحسن بن حرزهم المغربي المتعلق بكتاب الإحياء وهو نظير هذا

وحكى لي بعض الفقهاء أهل الخير بالديار المصرية أن شخصا تكلم في الغزالي في درس الشافعي وسبه فحمل هذا الحاكي من ذلك هما مفرطا وبات تلك الليلة فرأى الغزالي في النوم فذكر له ما وجد من ذلك فقال لا تحمل هما غدا يموت

فلما أصبح توجه إلى درس الشافعي فوجد ذلك الفقيه قد حضر طيبا في عافية ثم خرج من الدرس فلم يصل إلى بيته إلا وقد وقع من على الدابة ودخل بيته في حال التلف وتوفي آخر ذلك النهار

ومما يعد من كرامات الغزالي أيضا أن السلطان علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب الملقب بأمير المسلمين وكان أميرا عادلا نزها فاضلا عارفا بمذهب مالك خيل إليه لما دخلت مصنفات الغزالي إلى المغرب أنها مشتملة على الفلسفة المحضه

وكان المذكور يكره هذه العلوم فأمر بإحراق كتب الغزالي وتوعد بالقتل من وجد عنده شيء منها فاختلت حاله وظهرت في بلاده مناكير كثيرة وقويت عليه الجند وعلم من نفسه العجز بحيث كان يدعو الله بأن يقيض للمسلمين سلطانا يقوى على أمرهم وقوي عليه عبد المؤمن بن علي

ولم يزل من حين فعل بكتب الغزالي ما فعل في عكس ونكد إلى أن توفي

ومن الرواية عن حجة الإسلام سقى الله عهده

قرأت على عبد الله محمد بن أحمد الحافظ في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة أخبرنا الحافظ أبو محمد الدمياطي عن الحافظ عبد العظيم المنذري أنبأنا الشيخ أبو منصور فتح بن خلف السعدي أخبرنا الإمام شهاب الدين ابو الفتح محمد بن محمود الطوسي أخبرنا محي الدين محمد بن يحيى الفقيه أخبرنا حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي حدثنا الشيخ محمد بن يحيى بن محمد الشجاعي الزوزني بزوزن في داره قراءة عليه حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد حفيد العباس بن حمزة حدثنا أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عامر الطائي بالبصرة حدثني أبي في سنة ستين ومائتين حدثني علي بن موسى الرضا في سنة أربع وتسعين ومائة حدثني أبي موسى بن جعفر حدثني أبي جعفر بن محمد حدثني أبي محمد بن علي حدثني أبي علي بن الحسين حدثني أبي الحسين بن علي حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله ‏(‏ يظهر قوم لا خلاق لهم في الدين شابههم فاسق وشيخهم مارق وصبيهم عارم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فيما بينهم مستضعف والفاسق والمنافق فيما بينهم مشرف إن كنت غنيا وقروك وإن كنت فقيرا حقروك همازون لمازون يمشون بالنميمة ويدسون بالخديعة أولئك فراش نار وذباب طمع وعند ذلك يوليهم الله أمراء ظلمة ووزراء خونة ورفقاء غشمة وتوقع عند ذلك جرادا شاملا وغلاء متلفا ورخصا مجحفا ويتتابع البلاء كما يتتابع الخرز من الخيظ إذا انقطع ‏)‏

هذا حديث ضعيف واه

أخبرنا الحافظ أبو العباس الأشعري إذنا خاصا عن أبي الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر عن أبي المظفر عبد الرحيم قال أخبرنا والدي الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور أنشدنا أبو سعد محمد بن أبي العباس الخليلي إملاء بنوقان في الجامع أنشدنا الإمام أبو حامد الغزالي

ارفه ببال امرىء يمس على ثقة ** أن الذي خلق الأرزاق يرزقه

فالعرض منه مصون لا يدنسه ** والوجه منه جديد ليس يخلقه

إن القناعة من يحلل بساحتها ** لم يلق في دهره شيئا يؤرقه

كتب إلي أحمد بن أبي طالب المسند عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمود عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الزهري قال أنشدني أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن مويه العبدري قال أنشدني أبو بكر بن العربي قال أنشدني أبو حامد الغزالي لنفسه

سقمي في الحب عافيتي ** ووجودي في الهوى عدمي

وعذاب يرتضون به ** في فمي أحلى من النعم

ما لضر في محبتكم ** عندنا والله من ألم

وبالسند إلى الحافظ أبي عبد الله قال قرأت على أبي القاسم بن الأسعد البزار عن يوسف بن أحمد الحافظ قال أنشدنا محمد بن أبي عبد الله الجوهري قال أنشدنا لأبي حامد

فقهاؤنا كذبالة النبراس ** هي في الحريق وضوءها للناس

خبر دميم تحت رائق منظر ** كالفضة البيضاء فوق نحاس

أخبرنا علي بن الفضل الحافظ أنشدني أبو محمد عبد الله بن يوسف الأندي أنشدني أمية بن أبي الصلت أنشدني أبو محمد التكريتي أنشدني أبو حامد الغزالي لنفسه

حلت عقارب صدغه من خده ** قمرا فجل بها عن التشبيه

ولقد عهدناه يحل ببرجها ** ومن العجائب كيف حلت فيه

ومما أنشد فيه أنشد أبو حفص عمرو بن عبد العزيز بن عبيد بن يوسف الطرابلسي لنفسه

هذب المذهب حبر ** أحسن الله خلاصه

ببسيط ووسيط ** ووجيز وخلاصه

وقال أبو المظفر الأبيوردي يرثيه

بكى على حجة الإسلام حين ثوى ** من كل حي عظيم القدر أشرفه

فما لمن يمتري في الله عبرته ** على أبي حامد لاح يعنفه

تلك الرزية تستوهي قوي جلدي ** فالطرف تسهره والدمع تنزفه

فماله خله في الزهد تنكره ** وما له شبهة في العلم تعرفه

مضى فأعظم مفقود فجعت به ** من لا نظير له في الناس يخلفه

وقال القاضي عبد الملك بن أحمد بن محمد بن المعافى رحمهم الله تعالى

بكيت بعيني واجم القلب واله ** فتىلم يوال الحق من لم يواله

وسيبت دمعا طال ما قد حبسته ** وقلت لجفني واله ثم واله

أبا حامد محي العلوم ومن بقي ** صدى الدين والإسلام وفق مقاله

ذكر عدد مصنفاته

له في المذهب الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة

وفي سائر العلوم

كتاب إحياء علوم الدين

وكتاب الأربعين

وكتاب الأسماء الحسنى

والمستصفى في أصول الفقه

والمنخول في أصول الفقه ألفه في حياة أستاذه إمام الحرمين

وبداية الهداية والمآخذ في الخلافيات

وتحصين المآخذ

وكيمياء السعادة بالفارسية

والمنقذ من الضلال

واللباب المنتخل في الجدل

وشفاء الغليل في بيان مسالك التعليل

والاقتصاد في الاعتقاد

ومعيار النظر

ومحك النظر

وبيان القولين للشافعي

ومشكاة الأنوار

والمستظهري في الرد على الباطنية

وتهافت الفلاسفة

والمقاصد في بيان اعتقاد الأوائل وهو مقاصد الفلاسفة

وإلجام العوام في علم الكلام

والغاية القصوي

وجواهر القرآن

وبيان فضائح الإمامية

وغور الدور في المسألة السرجية وهو المختصر الأخير فيها رجع فيه عن مصنفه الأول فيها المسمى بغاية الغور في دراية الدور

وكشف علوم الآخرة

والرسالة القدسية

والفتاوى

وميزان العمل

وقواصم الباطنية وهو غير المستظهري في الرد عليهم

وحقيقة الروح

وكتاب أسرار معاملات الدين

وعقيدة المصباح

والمنهج الأعلى

وأخلاق الأنوار

والمعراج

وحجة الحق

وتنبيه الغافلين

والمكنون في الأصول

ورسالة الأقطاب

ومسلم السلاطين

والقانون الكلي

والقربة إلى الله

ومعيار العلم

ومفصل الخلاف في أصول القياس

وأسرار اتباع السنة

وتلبيس إبليس

والمبادى والغايات

والأجوبة

وكتاب عجائب صنع الله

ورسالة الطير

الرد على من طغى

ذكر المنام الذي أبصره الإمام عامر الساوي بمكة

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتاب التبيين سمعت الشيخ الفقيه الإمام أبا القاسم سعد بن علي بن أبي القاسم بن أبي هريرة الإسفرايني الصوفي بدمشق قال سمعت الشيخ الإمام الأوحد زين القراء جمال الحرم أبا الفتح عامر بن نجا بن عامر العربي الساوي بمكة حرسها الله يقول دخلت المسجد الحرام يوم الأحد فيما بين الظهر والعصر الرابع عشر من شوال سنة خمس وأربعين وخمسمائة وكان بي نوعا تكسر ودوران رأس بحيث أني لا أقدر أن أقف أوأجلس لشدة ما بي فكنت أطلب موضعا أستريح فيه ساعة على جنبي فرأيت باب بيت الجماعة للرباط الرامشتي عند باب الحزورة مفتوحا فقصدته ودخلت فيه ووقعت على جنبي الأيمن بحذاء الكعبة المشرفة مفترشا يدي تحت خدي لكي لا يأخذني النوم فتنتقض طهارتي فإذا رجل من أهل البدعة معروف بها جاء ونشر مصلاه على باب ذلك البيت وأخرج لويحا من جيبه أظنه كان من الحجر وعليه كتابة

فقبله ووضعه بين يديه وصلى صلاة طويلة مرسلا يديه فيها على عادتهم وكان يسجد على ذلك اللويح في كل مرة وإذا فرغ من صلاته سجد عليه وأطال فيه وكان يمعك خده من الجانبين عليه ويتضرع في الدعاء ثم رفع رأسه وفيله ووضعه على عينيه ثم قبله ثانيا وأدخله في جيبه كما كان

قال فما رأيت ذلك كرهته واستوحشت منه ذلك وقلت في نفسي ليت كان رسول الله حيا فيما بيننا ليخبرهم بسوء صنيعهم وما هم عليه من البدعة

ومع هذا التفكر كنت أطرد النوم عن نفسي كي لا يأخذني فتفسد طهارتي

فبينا أنا كذلك إذ طرأ علي النعاس وغلبني فكأني بين اليقظة والمنام فرأيت عرصة واسعة فيها ناس كثيرون واقفون وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد وقد تحلقوا كلهم على شخص فسألت الناس عن حالهم وعمن في الحلقة فقالوا هو رسول الله وهؤلاء أصحاب المذاهب يريدون أن يقرءوا مذاهبهم واعتقادهم من كتبهم على رسول الله ويصححوها عليه

قال فبينا أنا كذلك أنظر إلى القوم إذ جاء واحد من أهل الحلقة وبيده كتاب قيل إن هذا هو الشافعي رضي الله عنه فدخل في وسط الحلقة وسلم على رسول الله

قال فرأيت رسول الله في جماله وكماله متلبسا بالثياب البيض المغسولة النظيفة من العمامة والقميص وسائر الثياب على زي أهل التصوف

فرد عليه الجواب ورحب به وقعد الشافعي بين يديه وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده عليه

وبعد ذلك جاء شخص آخر قيل هو أبو حنيفة رضي الله عنه وبيده كتاب فسلم وقعد بجنب الشافعي وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده عليه

ثم أتى بعده كل صاحب مذهب إلى أن لم يبق إلا القليل وكل من يقرأ يعقد بجنب الآخر

فلما فرغوا إذا واحد من المبتدعة الملقبة بالرافضة قد جاء وفي يده كراريس غير مجلدة فيها ذكر عقائدهم الباطلة وهم أن يدخل الحلقة ويقرأها عل رسول الله فخرج واحد ممن كان مع رسول الله إليه وزجره وأخذ الكراريس من يده ورمى بها إلى خارج الحلقة وطرده وأهانه

قال فلما رأيت أن القوم قد فرغوا وما بقي أحد يقرأ عليه شيئا تقدمت قليلا وكان في يدي كتاب مجلد فناديت وقلت يا رسول الله هذا الكتاب معتقدي ومعتقد أهل السنة لو أذنت لي حتى أقرأه عليك

فقال رسول الله وأي شيء ذاك

قلت يا رسول الله هو قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي

فإذن لي بالقراءة فقعدت وابتدأت بسم الله الرحمن الرحيم كتاب قواعد العقائد وفيه أربعة فصول الفصل الأول في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام فنقول وبالله التوفيق الحمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يريد ذي العرش المجيد والبطش الشديد الهادي صفوة العبيد إلى المنهج الرشيد والمسلك السديد المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد السائق بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء صحبه الأكرمين بالتأبيد والتسديد المتحلى لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقي السمع وهو شهيد المعرف إياهم في ذاته أنه واحد لا شريك له فرد لامثل له صمد لا ضد له متفرد لاند له وأنه قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء تصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن

التنزيه

وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر

وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام

وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود و ليس كمثله شيء ولاهو مثل شيء

وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون والسموات

وأنه استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقيه لا تزيده قربا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسما كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا ثماثل ذاته ذات الأجسام

وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحويه زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان

وأنه بائن من خلقه بصفاته وليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته

وأنه مقدس عن التغير والانتقال لا تحله الحوادث ولا تغيره العوارض بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال

وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم

القدرة

وأنه حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا يعارضه فناء ولا موت

وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت له السلطان والقهر والخلق والأمر السموات مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في قبضته

وأنه المتفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الخلق وأعمالهم وقد أرزاقهم وآجالهم لا يشذ عن قبضته مقدور ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته

العلم

وأنه عالم بجميع المعلومات محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السموات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا في أزل الآزال لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال

الإرادة

وأنه مريد للكائنات مدبر للحادثات لا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير صغير أو كبير خير أو شر نفع أو ضر إيمان أو كفر عرفان أو نكر فوز أو خسر زيادة أو نقصان طاعة أو عصيان كفر أو إيمان إلا بقضائه وقدره وحكمه ومشيئته

فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر بل هو المبدئ المعيد الفعال لما يريد

لا راد لحكمة ولامعقب لقضائه ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ولا قوة على طاعته إلا بمحبته وإرادته

لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئة عجزوا عنه

وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته لم يزل كذلك موصوفا بها مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها

فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله من غير تقدم وتأخر بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبديل وتغيير

دبر الأمور لا بترتيب افتكار وتربص زمان فلذلك لم يشغله شأن عن شأن

السمع والبصر

وأنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى ولايغيب عن رؤيته مرئي وإن دق

لا يحجب سمعه بعد ولايدفع رؤيته ظلام

يرى من غير حدقة وأجفان ويسمع من غير أصمخة وآذان كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آله إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق كما لا تشبه ذاته ذات الخلق

الكلام

وأنه متكلم آمر ناه واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه

كلام الخلق فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان

وأن القرآن والتوارة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله

وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب

وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى لا يقبل الانفصال والفراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق

وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بغير صوت ولا بحرف كما يرى الأبرار ذات الله تعالى من غير جوهر ولا عرض

وإذ كانت له هذه الصفات كان حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام لا بمجرد الذات

الأفعال

وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها

وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته ولا يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصور الظلم من الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما فكل ماسواه من جن وإنس وشيطان وملك وسماء وأرض وحيوان ونبات وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وأنشأه بعد أن لم يكن شيئا إذ كان في الأزل موجودا وحده ولم يكن معه غيره فأحدث الخلق بعده إظهار لقدرته وتحقيقا لماسبق من إرادته وحق في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته

وأنه تعالى متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم

فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ولم يكن قبيحا ولاظلما

وأنه يثيب عباده على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم إذ لا يجب عليه فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب لأحد عليه حق

وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسانه أنبيائه لا بمجرد العقل ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به

معنى الكلمة الثانية وهي شهادة الرسول

وأنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي محمدا برسالته إلى كافة العرب والعجم والجن والإنس

قال فلما بلغت إلى هذا رأيت البشاشة والبشر في وجهه إذ انتهيت إلى نعته وصفته فالتفت إلي وقال أين الغزالي

فإذا بالغزالي كأنه واقف على الحلقة بين يديه

فقال ها أنا ذا يا رسول الله

وتقدم وسلم على رسول الله

فرد عليه الجواب وناوله يده العزيزة والغزالي يقبل يده ويضع خديه عليها تبركا به وبيده العزيزة المباركة ثم قعد

قال فما رأيت رسول الله أكثر استبشارا بقراءة أحد مثل ما كان بقراءتي عليه قواعد العقائد

ثم انتبهت من النوم وعلى عيني أثر الدمع مما رأيت من تلك الأحوال والمشاهدات والكرامات فإنها كانت نعمة جسيمة من الله تعالى سيما في أخر الزمان مع كثرة الأهواء

فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على عقيدة أهل الحق ويحيينا عليها ويمتنا عليها ويحشرنا معهم ومع الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فإنه بالفضل جدير وعلى ما يشاء قدير

قال الشيخ الإمام أبو القاسم الإسفرايني هذا معنى ماحكى لي أبو الفتح الساوي أنه رآه في المنام لأنه حكاه لي بالفارسة وترجمته أنا بالعربية

وتتمة الفصل الأول من فصول قواعد العقائد الذي يتم الاعتقاد به ولم يتفق قراءته إياه على رسول الله ومن المصلحة إثباته ليكون الاعتقاد تاما في نفسه غير ناقص لمن أراد تحصيله وحفظه بعد قوله وأنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي محمدا برسالته إلى كافة العرب والعجم والجن والإنس

فنسخ بشرعة الشرائع إلا ماقرر وفضله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد وهو قول لا إله إلا الله ما لم تقترن به شهادة الرسول وهو قول محمد رسول الله فألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه من الدنيا والآخرة

وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يوقن بما أخبر عنه بعد الموت

وأوله سؤال منكر ونكير وهما شخصان مهيبان هائلان يعقدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد فيسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان من ربك وما دينك ومن نبيك

وهما فتانا القبر وسؤالهما أول فتنة القبر بعد الموت

وأن يؤمن بعذاب القبر وأنه حق وحكمه عدل على الجسم والروح على ما يشاء

ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان وصفته في العظم أنه مثل طباق السموات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى والسنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقا لتمام العدل وتطرح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند الله بفضل الله تعالى وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى

وأن يؤمن بأن الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة تزل عليه أقدام الكافرين بحكم الله فيهوى بهم إلى النار وتثبت عليه أقدام المؤمنين فيساقون إلى دار القرار

وأن يؤمن بالحوض المورود حوض محمد يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا عرضه مسيرة شهر ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حوله أباريق عددها عدد نجوم السماء فيه ميزابان يصبان من الكوثر

ويؤمن بيوم الحساب وتفاوت الخلق فيه إلى مناقش في الحساب و إلى مسامح فيه و إلى من يدخل الجنة بغير حساب وهم المقربون فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين ويسأل المبتدعة عن السنة ويسأل المسلمين عن الأعمال

ويؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله تعالى

ويؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين كل على حسب جاهه ومنزلته

ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج بفضل الله تعالى

ولا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان

وأن يعتقد فضل الصحابة وتربيتهم وأن أفضل الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم

وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثنى عليهم كما أثنى الله تعالى ورسوله عليهم أجمعين

فكل ذلك مما وردت به السنة وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك موقنا به كان من أهل الحق وعصابة السنة وفارق رهط الضلال والبدعة

فنسأل الله تعالى كمال اليقين والثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين إنه أرحم الراحمين

و وعلى آله وصحبه أجمعين

ذكر كلام الطاعنين على هذا الإمام ورده ونقض عرى باطله وهده

قال الإمام أبو عبد الله المازري المالكي مجيبا لمن سأله عن حال كتاب إحياء علوم الدين ومصنفه هذا الرجل يعني الغزالي وإن لم أكن قرأت كتابه فقد رأيت تلامذته وأصحابه فكل منهم يحكي لي نوعا من حاله وطريقته فأتلوح بها من مذهبه وسيرته ماقام لي مقام العيان

فأنا أقتصر على ذكر حال الرجل وحال كتابه وذكر جمل من مذاهب الموحدين والفلاسفة والمتصوفة وأصحاب الإشارات فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق لا يعدوها

ثم أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر

ثم أبين عن طرق الغرور وأكشف عما دفن من حبال الباطل ليحذر من الوقوع في حبالة صائدة

ثم أثنى على الغزالي في الكشف وقال هو أعرف بالفقه منه بأصوله وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين فإنه صنف فيه أيضا وليس بالمستبحر فيها ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره فيها وذلك أنه قرأ علم الفلسفة قبل استبحاره في فن أصول الدين فكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلا للهجوم على الحقائق لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها وليس لها حكم شرع ترعاه ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها

وعرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا وهي إحدى وخمسون رسالة ومصنفها فيلسوف قد خاض في علم الشرع والعقل فمزج ما بين العلمين وذكر الفلسفة وحسنها في قلوب أهل الشرع بأبيات يتلوها عندها وأحاديث يذكرها ثم كان في هذا الزمان المتأخر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تآليف في علم الفلسفة وهو فيها إمام كبير وقد أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره وقد رأيت جملا من دواوينه ورأيت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير عليه من الفلسفة

ثم قال وأما مذاهب الصوفية فلست أدري على من عول فيها

ثم أشار إلى أنه عول على أبي حيان التوحيدي

ثم ذكر توهية أكثر ما في الإحياء من الأحاديث وقال عادة المتورعين أن لا يقولوا قال مالك قال الشافعي فيمالم يثبت عندهم

ثم أشار إلى أنه يستحسن أشياء مبناها على مالا حقيقية له مثل قوله في قص الأظفار أن تبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها المسبحة إلى أخر ما ذكر من الكيفية وذكر فيه أثرا

وقال من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن الباري قديم مات مسلما إجماعا

قال ومن تساهل في حكاية هذا الإجماع الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع بعكس ما قال فحقيق أن لا يوثق بما نقل

وقد رأيت له أنه ذكر أن في علومه هذه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب فليت شعري أحق هو أو باطل فإن كان باطلا فصدق وإن كان حقا وهو مراده بلا شك فلم لا يودع في الكتب الغموضة ودقته

قال فإن كان هو فما المانع أن يفهمه عليه

هذا ملخص كلام المازري

وسبقه إلى قريب منه من المالكية أبو الوليد الطرطوشي فذكر في رسالة إلى ابن مظفر فأما ما ذكرت من أمر الغزالي فرأيت الرجل وكلمته فرأيته رجلا من أهل العلم قد نهضت به فضائله واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول زمانه

ثم بدا له الانصراف عن طريق العلماء ودخل في غمار العمال

ثم تصوف فهجر العلوم وأهلها ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان

ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين

ولقد كاد ينسلخ من الدين فلما عمل الإحياء عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية وكان غير أنيس بها ولا خبير بمعرفتها فسقط على أم رأسه وشحن كتابه بالموضوعات

انتهى

وأنا أتكلم على كلامهما ثم أذكر كلام غيرهما وأتعقبه أيضا وأجتهد أن لا أتعدى طور الإنصاف وأن لا يلحقني عرق الحمية والاعتساف

وأسأل الله الإمداد بذلك والإسعاف فما أحد منهم معاصرا لنا ولا قريبا ولا بيننا إلا وصلة العلم ودعوة الخلق إلى جناب الحق فأقول أما المازري فقبل الخوض معه في الكلام أقدم لك مقدمة وهي أن هذا الرجل كان من أذكى المغاربة قريحة وأحدهم ذهنا بحيث اجترأ على شرح البرهان لإمام الحرمين وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه ولا يدندن حول مغزاة إلا غواص على المعاني ثاقب الذهن مبرز في العلم

وكان مصمما على مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه جليلها وحقيرها كبيرها وصغيرها لا يتعداها ويبدع من خالفه ولو في النزر اليسير والشيء الحقير

ثم هو مع ذلك مالكي المذهب شديد الميل إلى مذهبه كثير المناضلة عنه

وهذان الإمامان أعني إمام الحرمين وتلميذه الغزالي وصلا من التحقيق وسعة الدائرة في العلم إلى المبلغ الذي يعرف كل منصف بأنه ما انتهى إليه أحد بعدهما وربما خالفا أبا الحسن في مسائل من علم الكلام والقوم أعني الأشاعرة لا سيما المغاربة منهم يستصعبون هذا الصنع ولا يرون مخالفة أبي الحسن في نقير ولا قطمير وكأنما عناه الغزالي بقوله ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ وربما ضعفا مذهب مالك في كثير من المسائل كما فعلا في مسألة المصالح المرسلة وعند ذكر الترجيح بين المذاهب

فهذان أمران نفر المازري منهما وينضم إلى ذلك أن الطرق شتى مختلفة وقل ما رأيت سالك طريق إلا ويستقبح الطريق التي لم يسلكها ولم يفتح عليه من قبلها ويضع عند ذلك من غيره لا ينجو من ذلك إلا القليل من أهل المعرفة والتمكين

ولقد وجدت هذا واعتبرته حتى في مشايخ الطريقة

ولا يخفى أن طريقة الغزالي التصوف والتعمق في الحقائق ومحبة إشارات القوم وطريقة المازري الجمود على العبارات الظاهرة والوقوف معها والكل حسن ولله الحمد إلا أن اختلاف الطريقين يوجب تباين المزاجين وبعد مابين القلبين لا سيما وقد انضم إليه ما ذكرناه من المخالفة في المذهب وتوهم المازري أنه يضع من مذهبه وأنه يخالف شيخ السنة أبا الحسن الأشعري حتى رأيته أعني المازري قال في شرح البرهان في مسألة خالف فيها إمام الحرمين أبا الحسن الأشعري وليست من القواعد المعتبرة ولا المسائل المهمة من خطأ شيخ السنة أبا الحسن الأشعري فهو المخطأ وأطال في هذا

وقال في الكلام على ماهية العقل في أوائل البرهان وقد حكى عن الأشعري أنه يقول العقل هو العلم وأن الإمام رضي الله عنه قال مقالة الحارث المحاسبي إنه غريزة بعد أن كان في الشامل ينكرها وإنه إنما رضيها لكونه في آخر عمره قرع باب قوم آخرين يشير إلى الفلاسفة

فليت شعري ما في هذه المقالة مما يدل على ذلك

وأعجب من هذا أنه أعني المازري في أخر كلامه اعترف بأن الإمام لا ينحو نحوهم وأخذ يجل من قدرة وله من هذا الجنس كثير

فهذه أمور توجب التنافر بينهم وتحمل المنصف على أن لا يسمع كلام المازري فيهما إلا بعد حجة ظاهرة

ولا تحسب أننا نفعل ذلك إزراء بالمازري وحطا من قدره لا والله بل بينا بطريق الوهم عليه وهو في الحقيقة معذور فإن المرء إذا ظن بشخص سوءا قلما أمعن بعد ذلك في النظر إلى كلامه بل يصير بأدنى لمحة أدلت يحمل أمره على السوء ويكون مخطئا في ذلك إلا من وفق الله تعالى ممن برىء عن الأغراض ولم يظن إلا الخير وتوقف عند سماع كل كلمة وذلك مقام لم يصل إليه إلا الآحاد من الخلق وليس المازري بالنسبة إلى هذين الإمامين من هذا القبيل

وقد رأيت فعله في حق إمام الحرمين في مسألة الاسترسال التي حكيناها في ترجمة الإمام في الطبقة الرابعة وكيف وهم على الإمام وفهم عنه مالا يفهمه عنه العوام وفوق نحوه سهام الملام

إذا عرفت هذه المقدمة فأقول إن ما ادعاه من أنه عرف مذهبه بحيث قام له مقام العيان هو كلام عجيب فإنا لا نستجير أن نحكم على عقيدة أحد بهذا الحكم فإن ذلك لا يطلع عليه إلا الله ولن تنتهي إليه القوانين والأخبار أبدا

وقد وقفنا نحن على غالب كلام الغزالي وتأملنا كتب أصحابه الذين شاهدوه وتناقلوا أخباره وهم به أعراف من المازري ثم لم ننته إلى أكثر من غلبة الظن بأنه رجل أشعري المعتقد خاض في كلام الصوفية

وأما قوله وذكر جملا من مذاهب الموحدين والفلاسفة والمتصوفة وأصحاب الإشارات فأقول إن عني بالموحدين الذين يوحدون الله فالمسلمون أول داخل فيهم ثم عطف الصوفية عليهم يوهم أنهم ليسوا مسلمين وحاشا لله

وإن عني به أهل التوكل على الله فهم من خير فرق الصوفية الذين هم من خير المسلمين فما وجه عطف الصوفية عليهم بعد ذلك

وإن أراد أهل الوحدة المطلقة المنسوب كثير منهم إلى الإلحاد والحلول فمعاذ الله ليس الرجل في هذا الصوب وهو مصرح بتكفير هذه الفئة وليس في كتابه شيء من معتقداتهم وأما قوله الغزالي ليس بالمتبحر في علم الكلام فأنا أوافقه على ذلك لكني أقول إن قدمه فيه راسخ ولكن لا بالنسبة إلى قدمه في بقية علومه هذا ظني

وأما قوله إنه اشتغل في الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول فليس الأمر كذلك بل لم ينظر في الفلسفة إلا بعد ما استبحر في فن الأصول وقد أشار هو أعني الغزالي إلى ذلك في كتابه المنقذ من الضلال وصرح بأنه توغل في علم الكلام قبل الفسلفة

ثم قول المازري قرأ علم الفلسفة قبل استبحاره في علم الأصول بعد قوله إنه لم يكن بالمستبحر في الأصول كلام يناقض أوله آخره

وأما دعواه أنه تجرأ على المعاني فليست له جرأة إلا حيث دله الشرع ويدعى خلاف ذلك من لا يعرف الغزالي ولايدري مع من يتحدث

ومن الجهل بحاله دعوى أنه اعتمد على كتب أبي حيان التوحيدي والأمر بخلاف ذلك ولم يكن عمدته في الإحياء بعد معارفة وعلومه وتحقيقاته التي جمع بها شمل الكتاب ونظم بها محاسنه إلا على كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتاب الرسالة للأستاذ أبي القاسم القشيري المجمع على جلالتهما وجلالة مصنفيهما

وأما ابن سينا فالغزالي يكفره فكيف يقال إنه يقتدى به

ولقد صرح في كتاب المنقذ من الضلال أنه لا شيخ له في الفلسفة وسنحكي كلامه في ذلك إن شاء الله تعالى

وقوله لا أدري على من عول في التصوف

قلت عول على كتاب القوت و الرسالة مع ما ضم إليهما من كلام مشايخه أي على العلائي وأمثاله ومع ما زاده من قبل نفسه بفكره ونظره وما فتح به عليه وهو عندي أغلب ما في الكتاب وليس في الكتاب للفلاسفة مدخل ولم يصنفه إلا بعد ما ازدرى علومهم ونهى عن النظر في كتبهم وقد أشار إلى ذلك في غير موضع من الإحياء

ثم في كتاب المنقذ من الضلال ما نصه ثم إني لما ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة فإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا ولم أر أحدا من علماء الإسلام وجه عنايته إلى ذلك ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة النتاقض والفساد ولا يظن الاعتراف بها عاقل عامي فضلا عمن يدعي دقائق العلوم

فعلمت أن رد هذا المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه يرمي في عماية فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ وتعلم

فأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التدريس والتصنيف في العلوم الشرعية وأنا مهتم بالتدريس والإفادة لبل غلة نفر من الطلبة ببغداد فأطلعني الله تعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات على منتهى علومهم في أقل من سنتين

ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده وأراودوه وأتفقد غوائله وأغواره حتى اطلعت على ما فيه من خداع وتلبيس وتحقيق وتحيل اطلاعا لم أشك فيه

فاسمع الآن حكايتي وحكاية حاصل علومهم فإني رأيت أصنافا ورأيت علومهم أقساما وهم على كثرة أصنافهم تلزمهم وجهة الكفر والإلحاد وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين والأواخر منهم والأوائل تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه

انتهى

وقال بعده فصل في بيان أصنافهم وشمول سمة الكفر كافتهم

واندفع في ذلك

فهذا رجل ينادي على كافة الفلاسفة بالكفر وله في الرد عليهم الكتب الفائقة وفي الذب عن حريم الإسلام الكلمات الرائقة ثم يقال إنه بني كتابه على نالتهم فيا لله ويا للمسلمين نعوذ بالله من تعصب يحمل على الوقيعة في أئمة الدين

وأما ما عاب به الإحياء من توهنه بعض الأحاديث فالغزالي معروف بأنه لم تكن له في الحديث يد باسطة وعامة ما في الإحياء من الأخبار والآثار مبدد في كتب من سبقه من الصوفية والفقهاء ولم يسند الرجل لحديث واحد وقد اعتنى بتخريج أحاديث الاحياء بعض أصحابنا فلم يشذ عنه إلا اليسير

وسأذكر جملة من أحاديثه الشاذة استفادة

وأما ما ذكروه في بعض قص الأظفار فالأمر المشار إليه يروي عن علي كرم الله وجهه غير أنه لم يثبت وليس في ذلك كبير أمر ولا مخالفة شرع وقد سمعت جماعة من الفقراء يذكرون أنهم جربوه فوجدوه لا يخطىء من داومة أمن من وجع العين

ويروون من شعر علي كرم الله وجهه هذا

أبدا بيمناك وبالخنصر ** في قص أظفارك واستبصر

واختم بسبابتها هكذا ** لا تفعل في الرجل ولاتمتر

وابدا ليسراك بإبهامها ** والأصبع الوسطى وبالخنصر

ويتبع الخنصر سبابة ** بنصرها خاتمة الأيسر

هذا أمان لك قد حزته ** من رمد العين كما قد قرى

وأما قول المازري عادة المتورعين أن لا يقولوا قال مالك إلى آخره فليس ما قال الغزالي قال سول الله على سبيل الجزم وإنما يقول عزو بتقدير الجزم فلو لم يغلب على ظنه لم يقله وغايته أنه ليس الأمر على ما ظن

وسنعقد فضلا للأحاديث المنكرة في كتاب الإحياء

وأما مسألة من مات ولم يعلم قدم الباري ففرق بين عدم اعتقاد بالقدم واعتقاد أن لا قدم والثاني هو الذي أجمعوا على تكفيره من اعتقده

فمن استحضر بذهنه صفة القدم ونفاها عن الباري و أوجبها منفية أوشك في انتفائها كان كافرا

وأما الساذج في مسألة القدم الخالي الخلو المؤمن بالله على الجملة فهو الذي ادعى الغزالي الإجماع على أنه مؤمن على الجملة ناج من حيث مطلق الإيمان الجملي

ومن البلية العظمى والمصيبة الكبرى أن يقال عن مثل الغزالي إنه غير موثوق بنقله فما أدري ما أقول ولا بأني يلقى الله يعتقد ذلك في هذا الإمام

وأما تقسيم المازري في العلم الذي أشار حجة الإسلام أنه لا يودع في كتاب فوددت لو لم يذكره فإنه شبه عليه

وهذا المازري كان رجلا فاضلا ركنا ذكيا وما كنت أحسبه يقع في مثل هذا أو خفي عليه أن للعلوم دقائق نهى العلماء عن الإفصاح بها خشية على ضعفاء الخلق وأمور أخر لاتحيط بها العبارات ولا يعرفها إلا أهل الذوق وأمور أخر لم يأذن الله في إظهارها لحكم تكثر عن الإحصاء

وماذا يقول المازري فيما خرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي الطفيل سمعت عليا رضي الله عنه يقول حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله

وكم مسألة نص العلماء عن عدم الإفصاح بها خشية على إفضاح من لا يفهمها

وهذا إمامنا الشافعي رضي الله عنه يقول إن الأجير المشترك لا يضمن

قال الربيع وكان لا يبوح به خوفا من أجير السوء

قال الربيع أيضا وكان الشافعي رضي الله عنه يذهب إلى أن القاضي يقضي بعلمه وكان لا يبوح به مخافة قضاة السوء فقد لاح لك بهذا أنه ربما وقع السكوت عن بعض العلم خشية من الوقوع في محذور ومثل ذلك يكثر

وأما كلام الطرطوشي فمن الدعاوي العارية عن الأدلة وما أدري كيف استجار في دينه أن ينسب هذا الحبر إلى أنه دخل في وسواس الشيطان ولا من أين أطلع على ذلك وأما قوله شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج فلا أدري أي رموز في هذا الكتاب غير إشارات القوم التي لا ينكرها عارف وليس للحلاج رموز يعرف بها

وأما قوله كاد ينسلخ من الدين فيالها كلمة وقانا الله شرها

وأما دعواه أنه غير أنيس بعلوم الصوفية فمن الكلام البارد فإنه لا يرتاب ذو نظر بأن الغزالي كان ذا قدم راسخ في التصوف وليت شعري إن لم يكن الغزالي يدري التصوف فمن يدريه

وأما دعواه أنه سقط على أم رأسه فوقيعة في العلماء يغير دلالة فإنه لم يذكر لنا بماذا سقط

كفاه الله وإيانا غائلة التعصب

وأما الموضوعات في كتابه فليت شعري أهو واضعها حتى ينكر عليه إن هذا إلا تعصب بارد وتشنيع بما لا يرتضيه ناقد

ولقد ماجوا في هذا الإحياء الذي لا ينبغي لعالم أن ينكر مكانته في الحسن والإفادة ولقد قال بعض المحققين لو لم يكن للناس في الكتب التي صنفها الفقهاء الجامعون في تصانيفهم بين النقل والنظر والفكر والأثر غيره لكفى وهو من الكتب التي ينبغي للمسلمين الاعتناء بها وإشاعتها ليهتدي بها كثير من الخلق وقلما ينظر فيه ناظرا إلا وتيقظ به في الحال رزقنا الله بصيرة ترينا وجه الصواب ووقانا شر ما هو بيننا وبينه حجاب

وللشيخ تقي الدين ابن الصلاح في حق الغزالي كلام لا نرتضيه ذكره على المنطق تكلمنا عليه في أوائل شرحنا للمختصر لابن الحاجب

وكتب إلى مرة الخافظ عفيف الدين المطري المقيم بمدينة سيدنا رسول الله كتابا سألني أن أسال الشيخ الإمام رأيه فذكرت له ذلك فكتب إلي الجواب بما نصه الحمد لله

الولد عبد الوهاب بارك الله فيه

وقفت على ما ذكرت مما سأل عنه الشيخ الإمام العالم القدوة عفيف الدين المطري نفع الله به في ترجمة الغزالي وأبي حيان التوحيدي وما ذكرته أنت في الطبقات في ترجمة التوحيدي وما عندي فيه أكثر من ذلك فتكتبه له وكذلك الغزالي ما عندي فيه زيادة على ما ذكره ابن عساكر وغيره ممن ترجمه وماذا يقول الإنسان فيه وفضله واسمه قد طبق الأرض ومن خبر كلامه عرف أنه فوق اسمه

وأما ما ذكره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح وما ذكره من عند نفسه ومن كلام يوسف الدمشقي والمازري فما أشبه هؤلاء الجماعة رحمهم الله إلابقوم متعبدين سليمة قلوبهم قد ركنوا إلى الهوينا فرأوا فارسا عظيما من المسلمين قد رأى عدوا عظيما لأهل الإسلام فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم وما زال في غمرتهم حتى فل شوكتهم وكسرهم وفرق جموعهم شذر بذر وفلق هام كثيرة منهم فأصابه يسير من دمائهم وعاد سالما فرأوه وهو يغسل الدم عنه ثم دخل معهم في صلاتهم وعبادتهم فتوهموا أيضا أثر الدم عليه فأنكروا عليه

هذا حال الغزالي وحالهم والكل إن شاء الله مجتمعون في مقعد صدق عند مليك مقتدر

وأما المازري ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ لأنه مغربي وكانت المغاربة لما وقع بهم كتاب الإحياء لم يفهموه فحرفوه فمن تلك الحالة تكلم المازري

ثم إن المغاربة بعد ذلك أقبلوا عليه ومدحوه بقصائد منه قصيدة

أباحامد أنت المخصص بالحمد ** وأنت الذي علمتنا سنن الرشد

وضعت لنا الإحياء تحي نفوسنا ** وتنقدنا من ربقة المارد المردي

وهي طويلة وإن كنت لا أرتضي قوله أنت المخصص بالحمد ويتأول لفاعليه أنه من بين أقرانه أو من بين من يتكلم فيه

وأين نحن من فوقنا وفوقهم من فهم كلام الغزالي أو الوقوف على مرتبته في العلم والدين والتأله

ولا ينكر فضل الشيخ تقي الدين وفقهه وحديثه ودينه وقصده الخير ولكن لكل عمل رجال ولا ينكر علو مرتبة المازري ولكن كل حال لا يعرفه من لم يذقه أو يشرف عليه وكل أحد إنما يتكيف بما نشأ عليه ووصل إليه

وأمامن ذكر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في هذا المقام فالله يوفقنا وأياه لفهم مقامهما على قدرنا وأما على قدرهما فمستحيل بل وسائر الصحابة لا يصل أحد ممن بعدهم إلى مرتبتهم لأن أكثر العلوم التي نحن نبحث وندأب فيها الليل والنهار حاصلة عندهم بأصل الخلقة من اللغة والنحو والتصريف وأصول الفقه

ما عندهم من العقول الراجحة وما أفاض الله عليهم من نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر يغني عن المنطق وغيره من العلوم العقلية

وما ألف الله بين قلوبهم حتى صاروا بنعمته أخوانا يغني عن الاستعداد للمناظرة والمجادلة فلم يكن يحتاجون في علومهم إلا إلى مايسمعونه من النبي من الكتاب والسنة فيفهمونه أحسن فهم ويحملونه على أحسن محمل وينزلونه منزلته وليس بينهم من يمارى فيه ولا يجادل ولا بدعة ولا ضلالة

ثم التابعون على منازلهم ومنوالهم قريبا منهم ثم أتباعهم وهم القرون الثلاثة التي شهد النبي لها بأنها خير القرون بعده

ثم نشأ بعدهم وكان قليلا في أثناء الثاني والثالث أصحاب بدع وضلالات فاحتاجت العلماء من أهل السنة إلى مقاومتهم ومجادلتهم ومناظرتهم حتى لا يلبسوا على الضعفاء أمر دينهم ولا يدخلوا في الدين ما ليس منه

ودخل في الكلام أهل البدع من كلام المنطقين وغيرهم من أهل الإلحاد شيء كثير ورتبوا علينا شبها كثيرة فإن تركناهم وما يصنعون استولوا على كثير من الضعفاء وعوام المسلمين والقاصرين من فقهائهم وعلمائهم فأضلوهم وغيروا ما عندهم من الاعتقادات الصحيحة وانتشرت البدع والحوادث ولم يمكن كل واحد أن يقاومهم وقد لا يفهم كلامهم لعدم اشتغاله به وإنما يرد الكلام من يفهمه ومتى لم يرد عليه تعلو كلمته ويعتقد الجهلاء والأمراء والملوك و المستولون على الرعية صحة كلام ذلك المبتدع كما اتفق في كثير من الأعصار وقصرت همم الناس عما كان عليه المتقدمون

فكان الوجب أن يكون في الناس من يحفظ الله به عقائد عباده الصالحين ويدفع به شبه الملحدين وأجره أعظم من أجر المجاهد بكثير ويحفظ أجر بقية الناس عبادات المتعبدين واشتغال الفقهاء والمحدثين والمقرئين والمفسرين وانقطاع الزاهدين

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ** ولا الصبابة إلا من يعانيها

واللائق بابن الصلاح وأمثاله أن يشكر الله على ما أنعم به من الخير وما قيض الله له من الغزالي وأمثاله الذين تقدموه حتى حفظوا له مايتعبد به وما يشتغل به

وما يحتمل هذا الموضع بسط القول في ذلك

وإذا كان في الإحياء أشياء يسيرة تنتقد لا تدفع محاسن أكثره التي لا توجد في كتاب غيره وكم من منه للغزالي وسواء عرف من أخذ عنه التصوف أم لا فالاعتقادات هي هبة من الله تعالى وليست رواية انتهى

وما أشرت إليه من كلام ابن الصلاح في الغزالي هو ما ذكره في الطبقات من إنكاره عليه المنطق وقوله في أول المستصفى هذه مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط بها فلا ثقة بمعلومه أصلا

ثم حكايته كلام المازري وقد أوردناه

وذكر ابن الصلاح أن كتاب المضنون المنسوب إليه معاذ الله أن يكون له وبين سبب كونه مختلفا موضوعا عليه

والأمر كما قال وقد اشتمل المضنون على التصريح بقدم العالم ونفى العلم القديم بالجزئيات ونفى الصفات وكل واحدة من هذه يكفر الغزالي قائلها هو وأهل السنة أجمعون وكيف يتصور أنه يقولها

ومما حكى واشتهر عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي وكان سيد عصره وبركة زمانه أنه رأى النبي في النوم وقد باهى عليه الصلاة والسلام موسى وعيسى عليهما السلام بإلإمام الغزالي

وقال أفي أمتيكما حبر كهذا

قالا لا

وسئل السيد الكبير العارف بالله سيد وقته أيضا أبو العباس المرسي تلميذ الشيخ أبي الحسن عن الغزالي فقال أنا أشهد له بالصديقية العظمى

وعن الشيخ الكبير الجليل العارف بالله أوحد الأولياء أبي العباس أحمد بن أبي الخير اليمني المعروف بالصياد وهو من أولياء الله ببلاد اليمن أراه في حدود الخمسين والخمسمائة أنه رأى في بعض الأيام وهو قاعد أبواب السماء مفتحة وإذا بعصبة من الملائكة قد نزلوا إلى الأرض ومعهم خلع خضر ودابة من الدواب فوقفوا على رأس قبرمن القبور وأخرجوا شخصا من قبره وألبسوه الخلع وأركبوه على الدابة وصعدوا به إلى السماء ثم لم يزالوا يصعدون به من سماء إلى سماء حتى جاوزا السبع السموات كلهاوخرق بعدها سبعين حجابا

قال فتعجبت من ذلك وأردت معرفة ذلك الراكب فقيل لي هو الغزالي ولا علم لي إلى أين بلغ انتهاؤه

قلت فإذا كان هذا كلام أهل الله ومرائيهم في هذا الحبر وقد قدمنا كلام أهل العلم من معاصريه فمن بعدهم فيه وذكرنا اليسير من سيرته فكيف يسوغ أن يقال إنه كاد ينسلخ من الدين

ولقد وقعت في بلاد المغرب بسبب الإحياء فتن كثيرة وتعصب أدي إلى أنهم كادوا يحرقونه وربما وقع إحراق يسير وقد قدمنا من ذلك شيئا

ذكر منام أبي الحسن المعروف بابن حرزهم

وهو الشيخ أبو الحسن بن حرزهم بكسر الحاء المهملة وسكون الراء بعدها زاي وربما قيل ابن حرازهم

لماوقف على الإحياء تأمل فيه ثم قال هذا بدعة مخالف للسنة

وكان شيخا مطاعا في بلاد المغرب فأمر بإحضار كل ما فيها من نسخ الإحياء وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك فكتب إلى النواحي وشدد في ذلك وتوعد من أخفى شيئا منه فأحضر الناس ما عندهم واجتمع الفقهاء ونظروا فيه ثم أجمعواعلى إحراقه يوم الجمعة وكان ذلك يوم الخميس

فلما كان ليلة الجمعة رأى أبو الحسن المذعور في المنام كأنه دخل من باب الجامع الذي عادته يدخل منه فرأى في ركن المسجد نورا وإذا بالنبي وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما جلوس والإمام أبو حامد الغزالي قائم وبيده الإحياء فقال يا رسول الله هذا خصمي

ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي فناوله كتاب الإحياء وقال يا رسول الله انظر فيه فإن كان بدعة مخالفا لسنتك كما زعم تبت إلى الله تعالى وإن كان شيئا تستحسنه حصل لي من بركتك فأنصفني من خصمي

فنظر فيه رسول الله ورقة ورقة إلى آخره ثم قال والله إن هذا شيء حسن

ثم ناوله أبا بكر فنظر فيه كذلك ثم قال نعم والذي بعثك بالحق يا رسول الله إنه لحسن

ثم ناوله عمر فنظر فيه كذلك ثم قال كما قال أبوبكر

ثم فأمر النبي يتجريد أبي الحسن من ثيابه وضربه حد المفترى

فجرد وضرب ثم شفع فيه أبو بكر بعد خمسة أسواط وقال يا رسول الله إنما فعل هذا اجتهاد في سنتك وتعظيما فعفا عنه أبو حامد عند ذلك

فلما استيقظ من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما جرى ومكث قريبا من الشهر متألما من الضرب ثم سكن عنه الألم ومكث إلى أن مات وأثر السياط على ظهره وصار ينظر كتاب الإحياء ويعظمه ويبجله أصلا أصلا

وهذا حكاية صحيحية حكاها لنا جماعة من ثقات مشيختنا عن الشيخ العارف ولي الله ياقوت الشاذلي عن شيخه السيد الكبير ولي الله تعالى أبي العباس المرسي عن شيخه الشيخ الكبير ولي الله أبي الحسن الشاذلي رحمهم الله تعالى أجمعين